بمجرد إطاحة الانقلابيين بالرئيس محمد بازوم في 26 يوليو، اعترفت فرنسا وأميركا بخسارة الغرب لحليف استراتيجي في النيجر. لكن بعيداً عن هذا الإقرار، وبشكل متسارع، ظهرت الخلافات بين الشريكين الرئيسيين في الحكومة المتنحية.
النزاع بين باريس وواشنطن بدأ في الأيام الأولى للانقلاب، حين دعم ماكرون التدخل العسكري للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في النيجر، وهو السيناريو الذي رفضته الولايات المتحدة التي تُطالب بالحل الدبلوماسي.
وبين الدبلوماسية الأميركية والفرنسية، اشتدّ الانقسام في أعقاب الاجتماع الأول لقادة "إيكواس" في 10 أغسطس. تم الإعلان حينها عن نشر "قوة احتياطية" من المنظمة الإقليمية، وهو ما يترك احتمال التدخل العسكري قائماً حتى اليوم.
خلاف باريس وواشنطن
أمس السبت، اتهم النظام العسكري في النيجر فرنسا "بنشر قواتها" في عدد من دول غرب إفريقيا استعدادا لشن "العدوان" على البلد الغرب إفريقي.
ورد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على المجلس العسكري، اليوم الأحد، بالقول: إذا اضطرت فرنسا لإعادة نشر قوات في النيجر فإنها لن تفعل ذلك إلا بالتنسيق مع الرئيس بازوم".
ووفقاً لبيان قادة الانقلاب، فقد نُشرت طائرتي نقل عسكريتين من طراز A400M وطائرة Dornier 328 كتعزيزات في كوت ديفوار، وطائرتي هليكوبتر متعددة المهام من طراز Super Puma ونحو 40 مركبة مدرّعة توجهت إلى بنين.
قبلها بيومين، بدأت الولايات المتحدة "كإجراء احترازي" تعديل تمركز قواتها في النيجر، حسبما أعلن البنتاغون في 7 سبتمبر. وقالت المتحدثة باسم الجيش الأميركي سابرينا سينغ: "لا يوجد تهديد فوري لأفرادنا أو عنف على الأرض" بالنسبة للجنود الأميركيين البالغ عددهم 1100 جندي الموجودين في البلاد لمحاربة الجماعات المتطرفة.
وبشكل عملي، تقوم وزارة الدفاع الأميركية "بإعادة تموضع جزء من أفرادها ومواردها من القاعدة الجوية 101 في العاصمة نيامي إلى القاعدة الجوية 201 في أغاديز شمال البلاد".
وأوضحت كذلك أن "مجموعة صغيرة" ستبقى في قاعدة نيامي بعد عملية النقل الجارية.
فلماذا أعادت واشنطن تموضع جنودها في وقت تتّهمها موسكو بالتحضير لعملية عسكرية؟ ولما نشرت باريس عددا من جنودها في دول غرب إفريقية في ظل اتهامات الانقلابيين لها بتخل عسكري وشيك؟ وما سبب اختلاف تعامل قادة الانقلاب مع القوات الأميركية، مقارنة بالقوات الفرنسية؟
القوات الفرنسية والأميركية
حول توضع القوات الفرنسية والأميركية، يوضح الدبلوماسي النيجري علي تاسع أن القوات الأميركية موجودة في القاعدة العسكرية في مطار نيامي، وتُفاوض المجلس العسكري لإجلاء قواتها تدريجيا، ابتداء من تلك التي في هذه القاعدة. لذا "من الطبيعي أن تُعيد الولايات المتحدة تموضع قواتها إلى قاعدة أخرى حيث تتمركز قواتها شمال النيجر".
ويضيف المصدر في حديث لمنصة "المشهد"، أن فرنسا هي التي تتحرك من أجل التدخل العسكري في النيجر، وكذلك فرضت العقوبات على نيامي. أما "واشنطن فتتصرف بعقلانية وليس بطريقة عاطفية. من الوهلة الأولى فاوضت أميركا بشأن إمكانية إبقاء قواتها ونجحت".
من جانبه، يشرح الخبير الجيوسياسي ريني أونكبي لـ"المشهد" أن البنتاغون اتخذ هذا القرار ليس من باب التهديد، بل وفقاً لتوجّهاته الجديدة في ضوء الوضع السياسي والأمني في النيجر. ويقول أونكبي:
- ستتم عملية إعادة التموضع هذه من القاعدة 101 الموجودة في العاصمة نيامي باتجاه أغاديز، حيث تتوفر القيادة العسكرية الأميركية على قاعدة عسكرية أخرى تركز على الاستخبارات واستخدام التقنيات العسكرية مثل الطائرات بدون طيار.
- هذه القاعدة الجوية، التي تسمى القاعدة 201، وتقع في شمال البلاد، ستستضيف أفرادًا عسكريين، مما يدل بوضوح على الاختلاف في النهج تجاه عواقب الانقلاب مقارنة بالفرنسيين الذين دخلوا في مواجهة متعبة وغير مؤكدة مع السلطات العسكرية في البلاد.
- بالنسبة لنهج إدارة جو بايدن، فأراه أكثر واقعية، على عكس فرنسا التي عقدت علاقاتها مع الانقلابيين بشكل كامل منذ البداية.
أما الأكاديمي والكاتب السياسي النيجري علي يعقوب، فيعتبر القرار الأميركي "جسّ نبض لرد فعل العسكر والشعب"، لافتاً أن أغلبية الجنود الأميركيين في الشمال وليسوا في العاصمة وإعادة التموضع هو تثبيت للوجود الأميركي في البلاد.
ويشير يعقوب في تصريح لـ"المشهد" أن "ادعاءات الروس حول محاولة واشنطن اغتيال عسكريين في البلاد فهو مجرد بروبغاندا بين موسكو وواشنطن".
ويتابع يعقوب حديثه قائلا: "الأميركيون ليس لهم مصلحة في البلد من الناحية السياسية أو الاقتصادية حتى الآن لا يتدخلون في شؤون البلاد لذا الشعب ليس ساخط عليهم أو على الألمان أو الإيطاليين الذين لديهم قواعد عسكرية، الأمر مختلف تماما عن فرنسا".
انقلابا الغابون والنيجر
ويقارن مراقبون بين انقلابي النيجر والغابون، حيث إن هذا الأخير لم يتصاعد فيه التوتر مع فرنسا أو الغرب كما هو الحال في النيجر، ما دفع البعض إلى التساؤل: لماذا يعدّ الوضع في نيامي أكثر تعقيداً من ليبرفيل؟
الدبلوماسي النيجري علي تاسع يجيب على السؤال بالقول: "ليس هناك فرق بين الانقلابيين، إلا أن الشعب النيجري أراد التحرر شأنه شأن مالي وبوركينا فاسو. أما الغابون فلم تعترض على مصالح فرنسا لذلك لم تشدّد باريس لهجتها تُجاهها".
وأعلن عشرات الجنود الغابونيين، يوم الأربعاء 30 أغسطس، "نهاية النظام القائم" وإلغاء الانتخابات الرئاسية وحل "جميع مؤسسات الجمهورية"، كما قرروا إغلاق "حتى إشعار آخر".
واندلعت الأحداث بعد لحظات من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم السبت 26 أغسطس. وكان الرئيس المنتهية ولايته علي بونغو، الذي تولى السلطة منذ 14 عاماً، سيحصل على ولاية ثالثة بنسبة 64.27% من الأصوات.
من جهته، يرى الخبير الجيوسياسي ريني أونكبي أن حدوث انقلابات عسكرية في هذين البلدين هو الشيء الجامع الوحيد بينهما. ويضيف لـ"المشهد":
- في الغابون كان هناك شكل من أشكال الحياد في التعامل مع الجنود الذين عزلوا الرئيس علي بونغو، ولكن في نيامي، يتقاسم المجتمع الدولي والهيئات الإقليمية والقارية الرأي حول المجلس العسكري.
- هذه الدبلوماسية ذات المعايير المزدوجة هي مؤشر على أن المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية ليست هي نفسها في البلدين.
- ينطوي الوضع الاجتماعي والسياسي في النيجر على مزيد من الاستقرار في منطقة الساحل، كما أن سياق الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو وبشكل هامشي في غينيا له تأثيره.
- من الواضح أن الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة للنيجر نظراً لعزلتها الدبلوماسية وعقوباتها الاقتصادية.
في السياق، يقول الأكاديمي النيجري علي يعقوب إن انقلاب الغابون كان بدراية فرنسا، أما انقلاب النيجر لم يكن بدرايتها.
ويؤكد المتحدث لـ"المشهد" أن للنيجر أهمية إقليمية أكبر من الغابون، مشددا على ضرورة إنهاء أزمة نيامي من خلال رفع عقوبات "إيكواس" فورا، وتحديد موعد لإجراء انتخابات.
"أزمة النيجر إذا سلمت من التدخلات الأجنبية فستنتهي في أقل من سنة، لكن إذا أصروا على عودة بازوم فالشعب سيرفضه وستتوالى سنوات النزاع"، يختم يعقوب تصريحه.
نفوذ الغرب في الساحل
ويرى خبراء أن انقلاب النيجر يمثل نهاية عقد من التدخل العسكري الغربي في منطقة الساحل، والذي تميّز بشكل خاص بعمليات سيرفال ثم برخان من عام 2013 إلى عام 2022.
وإذا كانت فرنسا تعتمد بشكل كبير على المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا لاستعادة النظام الدستوري في النيجر، فذلك لأن مستقبل الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل يتم تهديده.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن المخاطر ليست بهذا الحجم. وإذا كانت النيجر تمثل اهتمامًا معينًا بالسياسة الأميركية في منطقة الساحل، فلا يبدو أن هذا يُبرر تورط واشنطن في تدخل عسكري غير مؤكد، بينما تحوّل واشنطن أنظارها نحو المحيط الهادئ أكثر من إفريقيا.
ورغم الخلافات، العديد من القضايا المشتركة مستمرة بين فرنسا والولايات المتحدة، لعل أبرزها:
- تهديد الجماعات الإرهابية، حيث عاد خطر المتطرفين إلى الظهور يوم الأربعاء 16 أغسطس، عندما أدى هجوم إرهابي في جنوب شرق النيجر إلى مقتل 17 شخصًا وإصابة أكثر من 20 آخرين.
- الفراغ الدبلوماسي الذي تركه الغرب، يمكن أن يفيد روسيا وقوات "فاغنر" الروسية في الانتشار في النيجر كما هو الحال في مالي أو بوركينا فاسو، وهذا أمر لا تستسيغه أبدا واشنطن وباريس.