لم يكن بيان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي طالب فيه بتحقيق إرادة الناخب وتصحيح أيّ خروقات في الانتخابات التشريعية سوى تأكيد على أهمية إصلاح المسار الديمقراطي وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، وقد أشاروا إلى فلسفة "الجمهورية الجديدة" التي يبدو فيها الجانب التشريعي أو بالأحرى علاقة المواطن ونظرته للسلطة التشريعية "أساس العملية الديمقراطية".
ومن ثم، فإنّ "تنقيّة المناخ" المرتبط بالاستحقاق الانتخابي عبر دعم إجراءات النزاهة والشفافية والمساءلة، سيضاعف من حالة "الاستقرار الداخلي" في وقت تشهد فيه مصر والمنطقة مجموعة من "التحديات المركبة"، التي تتطلب تحقيق التماسك الداخلي، وفق المصادر ذاتها، مؤكدين أنّ حماية الإرادة الشعبيّة أحد مكتسبات العملية الديمقراطية وتطورها، وهي أيضًا أحد جوانب حماية الأمن القومي.
إلغاء وإعادة الانتخابات
وخلال مؤتمر صحفي اليوم الثلاثاء للإعلان عن نتائج المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب، كشف المستشار حازم بدوي رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، عن إبطال وإلغاء 19 دائرة انتخابية في 7 محافظات من محافظات المرحلة الأولى، وذلك على المقاعد الفردية، ثم تحديد موعد آخر لإجرائها.
كما قال المستشار حازم بدوي، إن هذا القرار، الذي اتخذه مجلس إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات، جاء بفعل ما رصدته الهيئة من مخالفات تتمثل في خروقات بالعملية الانتخابية أمام لجان الاقتراع، و"عدم تسليم المرشح أو وكيله صورة من محضر حصر الأصوات، والتفاوت في عدد الأصوات في اللجان الفرعية واللجان العامة"، لافتًا إلى أن هذه المخالفات تمثل "عيوبًا جوهرية تنال من نزاهة ومشروعية عمليتَي الاقتراع والفرز في تلك الدوائر".
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد دوّن أمس عبر صفحته بمنصة "فيسبوك": "وصلتني الأحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية التي جرت فيها منافسة بين المرشحين الفرديين".
وتابع: "هذه الأحداث تخضع في فحصها والفصل فيها للهيئة الوطنية للانتخابات دون غيرها، وهي هيئة مستقلة في أعمالها وفقًا لقانون إنشائها".
عليه، شدّد الرئيس السيسي، على ضرورة أن "تعلي الهيئة من شفافية الإجراءات من خلال التيقن من حصول مندوب كل مرشح على صورة من كشف حصر الأصوات من اللجنة الفرعية، حتى يأتي أعضاء مجلس النواب كممثلين فعليّين عن شعب مصر تحت قبة البرلمان، مطالبًا ألاَّ تتردد الهيئة الوطنية للانتخابات في اتخاذ القرار الصحيح عند تعذّر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية سواء بالإلغاء الكامل لهذه المرحلة من الانتخابات، أو إلغائها جزئيًا في دائرة أو أكثر من دائرة انتخابية، على أن تجرى الانتخابات الخاصة بها لاحقًا".
ثقة الناخبين
في حديثه لمنصة"المشهد"، يوضح خبير السياسات الإستراتيجية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الإستراتيجية الدكتور محمد حسني، أن دعوة الرئيس السيسي بإعادة النظر في مجريات العملية الانتخابية جاءت كمؤشر على اتجاهات الرئاسة المصرية بضرورة سير العملية الانتخابية في مختلف مراحلها وفق معايير النزاهة والشفافية، وذلك "نظرًا لتصاعد الشكاوى من بعض الممارسات التي مثّلت تجاوزات وخروقات للعملية الانتخابية وفتح التحقيق حولها"، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يعزز "ثقة الناخبين" في مجريات العملية الانتخابية.
فهذه الدعوة الصريحة والمباشرة من مؤسّسة الرئاسة جاءت لمعالجة "بعض الاختلالات" التي شابت العملية الانتخابية، وفق حسني، وبالتالي فإن هذه السمات تمثل جوهر "الجمهورية الجديدة" التي يسعى الرئيس السيسي إلى وضع أسسها. كما أنّ الاستجابة الواسعة التي أبدتها الأحزاب بمختلف توجهاتها عكست "الزخم الكبير لضرورة العمل على إيجاد مناخ داعم للإرادة الشعبية"، بما يؤدي لرفع المشاركة في العملية الانتخابية.
ويردف: "مجلس النواب لديه دور كبير في معالجة القضايا الداخلية، بينما تزداد أهميته في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر كما الإقليم. ومن المتوقع أن تفرز هذه الدعوة مناخًا أكثر استقرارًا. كما أنه سيمنح التيارات والقوى السياسية المؤيدة والمعارضة فرصة كبيرة لاستغلال هذا المناخ للاستحواذ على ثقة المواطن".
ويختتم خبير السياسات الإستراتيجية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الإستراتيجية حديثه قائلًا إن تمتين العلاقة بين المواطن والسلطة التشريعية يعدُّ "أمرًا حيويًا وإستراتيجيًا"، حيث إن هذه السلطة تمثل "أساس العملية الديمقراطية". ومن ثم فـ"تنقية المناخ المحيط عبر دعم إجراءات النزاهة والشفافية والمساءلة سيزيد من حالة الاستقرار الداخلي في وقت تشهد فيه مصر والمنطقة مجموعة من التحديات المركبة التي تتطلب تحقيق التماسك الداخلي". كما أن "حماية الإرادة الشعبية هي إحدى مكتسبات العملية الديمقراطية، وتطورها، وهي كذلك أساس تحقيق الاستقرار الداخلي وأحد جوانب حماية الأمن القومي".
ضبط المشهد الانتخابي
يتفق والرأي ذاته، الأكاديمي المصري وأستاذ الإعلام بجامعة بنها الدكتور حسام النحاس، والذي يرى أن دعوة الرئيس تأتي فى إطار ضرورة "ضبط المشهد الانتخابى"، الأمر الذي يترتب عليه تشكيل "مجلس نيابى رقابى تشريعى حقيقى"، وذلك طبقًا لنص الدستور والقانون، إلى جانب بناء "صورة ذهنية إيجابية تجاه العملية الديمقراطية".
ويقول النحاس لـ"المشهد" إن "متابعة الرئيس الدقيقة لكافة مجريات المشهد وملابساته، تؤكد أن "القيادة السياسية تقف على مسافة واحدة من كافة الأحزاب والمرشحين على اختلاف توجهاتهم السياسية"، فضلًا عن "حرصه الشديد على ترسيخ مبادىء الشفافية والمكاشفة مع المواطنين، بما يضمن حقوق كافة الأطراف، والتزام الهيئة الوطنية للانتخابات بتطبيق وتنفيذ اختصاصاتها الأصيلة كجهة مستقلة يحق لها اتخاذ كافة الإجراءات لضمان نزاهة العملية الانتخابية وفحص كافة التظلمات، ومن ثم عدم المساس بحقوق الناخبين والمرشحين التى أقرّها الدستور".
ومن جهته، أكد الخبير الإستراتيجي اللواء سمير فرج أن موقف الرئيس المصري قوبل بـ"احتفاء شعبي" مرجحًا أن تظهر نتائج ذلك في عملية الإعادة التي ستتم، حيث ستتضاعف نسب المشاركة بين الناخبين، وثقتهم في مسار العملية السياسية والانتخابية، موضحًا في حديثه لـ"المشهد" أن "السلطة التشريعية ومجلس النواب ركيزة أساسية للعملية الديمقراطية".
بالتبعية، فهذا القرار وتداعياته، يأتي لـ"تعزيز الشفافية، وترسيخ ثقة الناخب، وضمان دمج المواطنين في العملية السياسية، وكسب شرعية حقيقية للمؤسسات المنتخبة، حيث إن موقف الرئيس المصري يعكس التزامه العميق بالحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية ودور المواطن في حماية الحقوق الدستورية وتعزيز الاستقرار السياسي".