جزع وأسى يشوب الأعياد في فلسطين عموماً وقطاع غزة خصوصاً، فالحرب تحول دون البهجة لقدومها، وتبعاً لخطى السيد المسيح، سار المئات من المسيحيين الفلسطينيين ولفيف من رجال الدين وأعداد محدودة من الحجاج الأجانب في "درب الصليب" على "طريق الآلام" بالبلدة القديمة في القدس، وصولاً إلى كنيسة القيامة، يحملون معاني التضحية والمحبة، ويرددون الترانيم.
أحيى المسيحيون الفلسطينيون في مدينة القدس، أسبوع الآلام الذي يبدأ بأحد الشعانين، مروراً بالجمعة العظيمة، وصولاً إلى سبت النور، ثم عيد القيامة المجيد، عيد الرجاء والأمل نحو الحرية والكرامة التي يرجونها، ويرددونها في صلواتهم ودعواتهم.
إجراءات وقيود صارمة
للعام الثاني توالياً، حرمت الإجراءات والقيود الإسرائيلية الصارمة، بعدم استصدار تصاريح خاصة للعبور من حواجز مدينة القدس، عشرات آلاف المسيحيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من بلوغ المدينة المقدسة، التي تقام الصلوات والاحتفالات في كنائسها.
القوات الإسرائيلية رفعت حالة التأهب بوجودها الشرطي والعسكري، ونشرت الحواجز والسواتر الحديدية، التي عرقلت الحركة وجعلتها شاقة للغاية، تارة بتفتيش المشاركين بطرق مذلة ومهينة، وتارةً بالاعتداء عليهم جسدياً ولفظياً، فيما أحكمت الشرطة الاسرائيلية سيطرتها على كنيسة القيامة ومحيطها، وأضحت وكأنها "ثكنة عسكرية مغلقة".
ووسط غياب المظاهر الاحتفالية والمسيّرات الكشفية التي تجري سنوياً، ستقيم الكنائس المسيحية الصلوات، في أول أيام عيد الفصح، وهو "أحد القيامة"، ليحل حزيناً على الأراضي الفلسطينية، وتخيم اللوعة والكرب على طقوسه المعهودة.
الحداد يخيم على المسيحيين
لم يأت عيد الفصح على مدينة القدس كالمعتاد، بل جاء بصمت وخجل شديدين سيطرا على مسيحيي المدينة المقدسة، واقتصر على الشعائر الدينية، وهو ما أوضحه الأب عيسى مصلح، متحدث كنيسة الروم الأرثوذكس بمدينة القدس لمنصة "المشهد" قائلًا: "سائر الكنائس في الأراضي المقدسة، أصدرت قراراً موحداً لاختصار كل احتفالات هذا العام على الشعائر الدينية والصلوات في داخل الكنائس فقط".
وأضاف "بفعل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وقتل الأبرياء، تم إلغاء كافة العروض الكشفية، ومظاهر الاحتفال والزينة بالشوارع".
وتابع الأب مصلح "دور العبادة هي للعبادة وعلينا أن نسهل للمؤمن وسائل الراحة ليقوم بواجبه الديني على أكمل وجه، وأن يعطى حرية العبادة، فليس من حق أي طرف أن يقيد حريتنا، لكن السلطات الإسرائيلية أغلقت الطرقات والحواجز ومنعت المسيحيين أبناء الضفة وغزة من دخول مدينة القدس، التي يجب أن تظل مفتوحة أمام الجميع، ونحن نطالب بالأمن والأمان والحرية".
عيد مثقل بالأسى
وعبر طوني سحّار من مدينة بيت لحم لـ"المشهد" عن أجواء العيد المثقلة بالأسى إزاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتعرض المسيحيين في فلسطين للاضطهاد وسلبهم حرية العبادة من قبل إسرائيل.
وقال: "يصعب علينا الاحتفال بشكل طبيعي وسط الحرب الطاحنة، وما يعزينا أن رسالة عيد الفصح هي انتصار كلمة الحق، وهذا يحتم علينا واجباً دينياً وأخلاقياً، أن نربي الأمل ونواصل حمل الرسالة لتصل لبقاع العالم".
وأضاف بأنه وأسرته كبقية العائلات المسيحية الفلسطينية لن يحتفلوا بعيد الفصح ككل عام سوى بالشعائر الدينية، تضامناً مع اهالي قطاع غزة، وإلتزاماً بالقرار الديني والوطني.
الحرب تطفئ أجواء العيد
على وقع دويّ القذائف الإسرائيلية وهدير الطائرات والمدافع الحربية، تتعالى الصلوات وترفع الدعوات وتتلى الترانيم من داخل كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس بمدينة غزة، لوقف الحرب، ويسود الأمن والسلام عموم البلاد، في ظل الظروف المعيشية البائسة التي فرضتها الحرب على قرابة 1200 مسيحي فلسطيني يقطنون قطاع غزة، يتبع 70% منهم طائفة الروم الأرثوذكس، والبقية طائفة اللاتين الكاثوليك.
ومع حلول عيد الفصح وفي ظل الظروف الاستثنائية، تتساءل الشابة الفلسطينية روز ترزي خلال حديثها لـ"المشهد" "كيف يمكن أن نحتفل بعيد الفصح في ظل الحرب التي دمرت كل شيء وأدمت قلوبنا، وفقدنا فيها العديد من الأحبة والأقارب؟ وبصوت حزين تضيف، "وسط هذا الخراب يبقى نور الإيمان غير منطفئ".
وتؤكد الشابة ترزي أنه "لا بهجة ولا فرحة للعيد، فمعظم فعاليات الأهل والأقارب سوف تقتصر على المراسم الدينية، وسنرفع الصلوات والقداديس والأدعية من أجل انتهاء الحرب، وأن نحيى بسكينة وسلام بعيداً عن القتل والدمار، فمن حقنا أن نزور مدينة القدس للصلاة في كنيسة القيامة".
الاحتفاء بهذا العيد الكبير يترافق مع قرار السلطات الإسرائيلية بمنع إدخال شعلة النور المقدس لقطاع غزة، الذي انبثق من قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة بمدينة القدس في سبت النور.
"نصلي من أجل غزة"
يترافق مع كل ذلك، قرار رؤساء سائر الكنائس في فلسطين أن تقتصر احتفالات عيد الفصح على إقامة الصلوات والشعائر الدينية من دون أي مظاهر بهجة.
يقول رئيس جمعية اتحاد الكنائس في قطاع غزة، عماد الصايغ لـ"المشهد" بأن "الاحتفالات للعام الثاني توالياً، ستقتصر على الشعائر الدينية بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فلا يسعنا إلا أن نصلّي من أجل وقف الحرب الشنيعة في غزة، وإدانة قتل المدنيين، والمطالبة بحقوقنا المشروعة العادلة".
من جانبه، يؤكد أمين سر مجلس وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية العربية في غزة سهيل سابا لـ"المشهد" بأنه "ستتم زيارة مقبرة الروم الأرثوذكس داخل كنيسة القديس بيرفيريوس في مدينة غزة، من قبل المسيحيين في عيد الفصح، فأرواحنا مثقلة بالألم والحزن والمعاناة".
وأضاف "الحياة تبدأ بموت، والفرح يسبقه وجع وألم، فلولا الصلب ما جاءت القيامة، ونحن بانتظار تحقيق العدالة والحرية التي ننشدها في صلواتنا وأعيادنا".