في خطوة وصفها محللون بأنها "مُزعزعة للاستقرار"، اعترفت إسرائيل بشكل مفاجئ بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تقوم بهذه الخطوة، ما يفتح الباب أمام توتر كبير في منطقة القرن الإفريقي.
وقوبلت الخطوة الإسرائيلية برفض دولي واسع، حيث أعرب وزراء خارجية مصر والصومال وجيبوتي وتركيا عن إدانتهم الشديدة لاعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال كدولة ذات سيادة، مؤكدين رفضهم الكامل لهذه الخطوة التي اعتبروها انتهاكا لوحدة وسيادة الأراضي الصومالية، وتهديدا مباشرا للاستقرار في منطقة القرن الإفريقي.
يخالف المواثيق الدولية
وأكدت وزارة الخارجية المصرية في بيان لها، رفضها لأي إجراء أحادي يمس سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها وتتعارض مع الأسس الراسخة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
من جانبها، أكدت الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا "إيغاد"، اليوم السبت، التزامها بوحدة وسيادة الصومال، مشددة على أن أي اعتراف أحادي الجانب يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، قال إن إسرائيل ستسعى إلى تعاون فوري مع أرض الصومال في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد. وفي بيان له، هنأ نتانياهو رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، وأشاد بقيادته ودعاه إلى زيارة إسرائيل.
وأضاف أن الإعلان "يتماشى مع روح اتفاقيات إبراهيم، التي وقعت بمبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب".
تمهيد لاعتراف أميركي؟
وفي هذا السياق، يقول المحلل الإسرائيلي شلومو غانور إن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يعود إلى أسباب عدة "قد تعود بالمنفعة على البلدين".
وأضاف غانور في حديث لمنصة "المشهد" أن هذه الخطوة لا تعتبر تحديا أو مناكفة لأحد بل فرصة "لتعزيز الاستقرار الإقليمي، في منطقة تعاني عدم الاستقرار".
وأشار المحلل الإسرائيلي، إلى أن "الخطوة هي اعتراف بواقع قائم، فأرض الصومال هي كيان سياسي منذ 30 عاما".
ولفت إلى "الاهتمام الإسرائيلي الكبير وأيضًا الاهتمام الأميركي بالساحل الطويل والموقع الإستراتيجي في القرن الإفريقي، نظرا لموقعها القريب من مناطق سيطرة "الحوثي" في اليمن والخطر القائم على المسارات البحرية في المنطقة والرغبة في ضمان حرية الملاحة".
وردد المحلل الإسرائيلي ما قاله نتانياهو قائلا: "لا شك أن الاعتراف يندرج في إطار المساعي لتوسيع اتفاقيا إبراهيم التي بموجبها ستقدم إسرائيل المساعدات والخبرات المتنوعة لأرض الصومال".
ولم يستبعد المحلل الإسرائيلي انضمام الولايات المتحدة للدول التي تعترف بأرض الصومال، وذلك في ضوء "المساعي الأميركية للتصدي لمحاولات التغلغل الصيني والإيراني والتركي في شرق إفريقيا".
وأشار غانور إن "اقتناع أرض الصومال بأن الطريق للحصول على اعتراف واشنطن بها يمر عبر إسرائيل"، لافتا إلى أن الاعتراف سبقته لقاءات سرية على أعلى المستويات بين الجانبين.
وفي تعليقه على قرار إسرائيل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه لا ينوي في المرحلة الحالية الاعتراف باستقلال أرض الصومال، مكتفيا بالقول إنه "سيدرس الأمر" من دون التزام بخطوات عاجلة.
وشدد ترامب في تصريحات صحفية على أن موقفه يختلف عن الموقف الإسرائيلي، مؤكدا أن أولوياته في اللقاء المرتقب مع نتانياهو يوم الاثنين ستتركز على ملف غزة، حيث تضطلع واشنطن بدور رئيسي في متابعة ترتيبات وقف إطلاق النار وجهود إعادة الإعمار.
وعند سؤاله عن إمكانية الاعتراف، بدا ترامب متحفظا قائلا: "ببساطة، لا.. ليس الآن"، في إشارة واضحة إلى أن الملف ليس على رأس أجندته الحالية.
"مُزعزعة للاستقرار"
على الجانب الآخر، قال الكاتب والباحث في الشأن الدولي عامر تمّام، إن "اعتراف إسرائيل بأرض الصومال خطوة غير شرعية وذلك وفق المواثيق والقوانين الدولية".
وأضاف تمّام في حديث لـ"المشهد" أن "فكرة أن يكون هناك اعتراف من دولة بأجزاء من دولة أخرى غير معترف بها دوليا هي خطوة تهدف إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الإفيقي، وسيكون لها انعاكسات سلبية على العالم".
وأشار إلى أن "غالبية الدولة رفضت خطوة إسرائيل"، لافتا إلى أن "هناك حالة إجماع دولي وعربي على رفض هذا الإجراء الأحادي".
وكان مجلس التعاون الخليجي قد أصدر بيانا أمس، رفض فيه اعتراف إسرائيل باستقلالية إقليم "أرض الصومال"، واعتبر ذلك "تجاوزا خطيرا لمبادئ القانون الدولي وانتهاكا صريحا لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها".
لماذا اعترفت إسرائيل بأرض الصومال؟
وعن الأسباب التي دفعت إسرائيل لاتخاذ مثل هذه الخطوة تجاه أرض الصومال، يرى تمّام في حديثه لـ"المشهد" أنها تتمحور حول:
- بداية العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال قديمة وتعود لما بعد إعلان أرض الصومال استقلالها عن بريطانيا في ستينيات القرن الماضي.
- بعد إعلان أرض الصومال عن انفصالها عن الصومال في إجراء أحادي في التسعينيات كانت تبحث أرض الصومال عن أي دولة تعترف بها.
- هناك رغبة إسرائيلية في خلق توتر بمنطقة القرن الإفريقي خصوصا في ظل التحركات المصرية التي كانت تسعى إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
- التحالف الإسرائيلي الإثيوبي ورغبة أديس أبابا في أن يكون لها وجود على البحر الأحمر.
وقال تمّام إنّ إسرائيل "ستسعى لأن يكون لها وجود في أرض الصومال عبر اتفاقيات تجارية وأمنية، وهو ما سيفتح الباب أمام إثيوبيا للسير في الاتجاه نفسه".
وأوضح أنه "لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي عما يحدث في المنطقة بشكل عام، خصوصا في ظل التوترات المصرية الإسرائيلية وكذلك التركية بسبب الحرب على غزة"، لافتا إلى أن "تل أبيب ما زالت تسعى إلى تهجير سكان غزة من القطاع".
ورأى تمّام أن "دول المنطقة ربما ستسعى إلى إيجاد حل دبلوماسي لهذه الخطوة وذلك عبر الولايات المتحدة، لإثناء إسرائيل عن هذه الخطوة".
أمر آخر أشار إليه تمام، يتعلق باحتمالية أن تكون واشنطن أعطت ضوءا أخضر لإسرائيل للقيام بهذه الخطوة لـ"جس نبض المنطقة"، قبل القيام بخطوة مماثلة، لافتا إلى أن "الولايات المتحدة لديها رغبة في تحجيم الطموحات والمصالح الصينية في القارة الإفريقية".