مثّل فوز زهران ممداني، أول مسلم يتولى منصب عمدة نيويورك، اليوم الأربعاء، انعطافة سياسية لافتة في المشهد الأميركي، خصوصًا في ظل الوضع الاستقطابي العنيف والمحتدم مع الحزب الجمهوري، وقد بلغت مداها مع تهديد دونالد ترامب بقطع التمويل الفيدرالي عن المدينة في حال انتخاب ممداني، ووصفه بـ"الشيوعي" و"أسوأ كوابيسه".
تحول المزاج الأميركي
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فالفوز، الذي حققه ممداني، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد انتصار انتخابي للحزب الديمقراطي، بل كـ"إشارة أعمق" إلى التحولات الجارية في المزاج الشعبي الأميركي الذي استجاب لخطاب بدا "تقدميًّا"بينما يسعى لتخفيف الأعباء الاقتصادية، واستعادة الدور الرعائي للدولة في الجوانب الخدمية والصحية والاجتماعية.
غير أن المصادر ذاتها ألمحت إلى أن "الحماس الذي أثاره ممداني بين القواعد التقدمية والمستقلة يعكس رغبة متزايدة لجهة ضرورة تجديد الخطاب الديمقراطي، وإعادة تعريف أولويات الحزب في مواجهة سياسات الجمهوريين ذات النزعة القومية والإقصائية".
كما يتزامن هذا الفوز مع اتساع الفجوة الأيديولوجية بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، على خلفية أزمة تضخم متصاعدة وتراجع ثقة الأميركيين في قدرة إدارة ترامب والجمهوريين على معالجة التحديات الاقتصادية، خصوصًا مع أزمة الإغلاق الفيدرالي المستمرة لأكثر من 30 يومًا هي الأطول بالتاريخ.
لهذا، كانت الكلمات التي وجهها عمدة نيويورك المنتخب إلى الرئيس الأميركي لافتة، أثناء الاحتفال بالفوز، قائلًا: "ارفع صوتك"، مؤكدًا على أنه سيباشر في "إطلاق جيل من التغيير" بما يعني الوقوف على النقيض من سياسات ترامب.
وقال ممداني: "إذا كان بإمكان أي شخص أن يُظهر لأمة خانها دونالد ترامب كيفية هزيمته، فهي المدينة التي أنجبته".
ثم عقَّب على الهجوم الذي شنّه ترامب ضده على خلفية انتماءاته السياسية والأيدولوجية، فضلًا عن هويته، فقال: "يُقال إنني لست المرشح المثالي. أنا شاب - رغم كل ما بذلته من جهد لأصبح أكبر سنًا. أنا مسلم. أنا اشتراكي ديمقراطي. والأهم من ذلك كله، أنني أرفض الاعتذار عن أي من هذا. ومع ذلك، إذا كان لهذه الليلة درسٌ يُستفاد منه، فهو أن التقاليد أعاقتنا".
من جهته، عزا ترامب إخفاق مرشح الحزب الجمهوري في تحقيق الفوز أمام ممداني إلى سببين، أولهما غياب اسمه على ورقة الاقتراع، كما دوّن على حسابه في منصة "تروث سوشيال"، وثانيهما "الإغلاق الحكومي".
"الوجه الجديد" للديمقراطي
إذًا، أثار زهران ممداني "حماسًا واسعًا" بين الناخبين الديمقراطيين والمستقلين، خصوصًا في صفوف التقدميين. ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم ما إذا كان سيصبح "الوجه الجديد" للحزب الديمقراطي كما كان باراك أوباما في السابق أم لا، حسبما يوضح الأكاديمي الأميركي المختّص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا إرك لوب.
ويقول لوب في حديثه لمنصة "المشهد"، إن فوز ممداني الانتخابي يعد "مؤشرًا" و"دليلًا" على اتساع حدة الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة بين اليسار واليمين، لكنّ الانتصار لا يقتصر على كونه "رد فعل" ضد دونالد ترامب وسياسات الجمهوريين ذات النزعة القومية والإقصائية، بل يعكس، في جوهره، عجزهم عن السيطرة على تصاعد معدلات التضخم في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، خصوصًا في ظل سياساتهم الجمركية.
خاض ممداني حملته الانتخابية مرتكزًا على شعار محوري يتمثل في تحسين القدرة المعيشية لسكان نيويورك، كما يشير الأكاديمي الأميركي المختّص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا، موضحًا أن "الحقيقة الأوسع والأكثر شمولًا هي هيمنة الديمقراطيين على انتخابات هذا العام غير الرئاسية، ليس في نيويورك فحسب، بل أيضًا في سباقات حكام ولايتي نيوجيرسي وفرجينيا، وانتخابات المحكمة العليا في بنسلفانيا، وكذلك في الاستفتاء على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية مؤقتًا في كاليفورنيا المعروف باسم المقترح 50".
مرحلة سياسية جديدة
ويتساءل لوب: هل سيتمكن الحزب الديمقراطي من الحفاظ على تماسكه بين جناحيه المعتدل والتقدمي للبناء على هذا الزخم حتى انتخابات التجديد النصفي الحاسمة العام المقبل؟، ثم تابع حديثه في محاولة لوضع مقاربة عن تساؤلاته: "إذا نجح في ذلك، فقد يتمكن من استعادة السيطرة على الكونغرس الأميركي، وبالتالي فرض توازن أمام سلطة ترامب التنفيذية التي غابت إلى حد كبير منذ توليه منصبه قبل نحو عام".
ولهذا يرجح الباحث المصري المختّص في فلسفة التاريخ والعلوم السياسية الدكتور سامح إسماعيل، أن يكون ممداني "نموذجًا صاعدًا لمرحلة سياسية جديدة" بالولايات المتحدة، وربما استعادة "لروح أوباما الإصلاحية"، موضحاً في حديثه لـ"المشهد" أن فوز زهران ممداني يكشف عن تحول أعمق في البنية السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، يتجاوز حدود الانتخابات المحلية ليعكس إعادة تشكّل التحالفات داخل الحزب الديمقراطي، مضيفًا أن صعوده يمثل امتدادًا للتيار التقدمي الذي يسعى إلى إعادة تعريف أولويات الحزب عبر التركيز على قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية بدلًا من المقاربات التقليدية للنخب السياسية.
كما يعكس هذا الفوز انحسار تأثير خطاب الهوية والانقسام الأيديولوجي لصالح خطاب آخر يبدو ملحًا، ويتحرى إيجاد مقاربة واقعية لمعالجة "التحديات المعيشية اليومية، وهو ما قد يؤسس لمرحلة مغايرة في المشهد السياسي الأميركي، تتبلور ملامحها بوضوح مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة".