قال وزير الخارجية الإستوني ماركوس تساهكنا إن الدول الأوروبية لا تزال تملك الكثير لتتعلمه من قرابة 4 سنوات من الحرب في أوكرانيا، خصوصاً في ما يتعلق بتطور أساليب القتال وكيفية الاستعداد لمستقبل الأمن الدولي.
وفي مقابلة مع مجلة نيوزويك داخل البعثة الدائمة لإستونيا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ناقش تساهكنا جملة من القضايا المرتبطة بالأمن الأوروبي وطموحات روسيا تجاه جيرانها في الغرب، مؤكدا أن إستونيا وسائر دول حلف الناتو مطالَبون باستخلاص دروس عميقة من هذا الصراع.
"الناتو" وحروب أوروبا
وجعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا هدفا رئيسيا لإدارته الثانية، بعدما كان قد تعهّد بإنهاء الحرب سريعاً قبل أن يعترف لاحقاً بتعقيد الوضع.
وقد طرحت الإدارة الأميركية خطة سلام من 28 نقطة بعد مشاورات مع موسكو، وُصفت بأنها مخرج للطرفين. غير أن قادة أوروبيين اعتبروا أن الصيغة الأولى كانت ستجبر كييف على تقديم تنازلات كبيرة، أبرزها التخلي عن أراضٍ لا تزال تحت سيطرتها مقابل ضمانات أمنية ضعيفة بعدم تعرضها لهجمات مستقبلية، إضافة إلى تقليص حجم الجيش الأوكراني إلى نحو ثلثي قوته الحالية.
وبناء عليه، أعد الأوروبيون مقترحا مقابلا يمنح أوكرانيا شروطا أفضل، من بينها الإبقاء على قوة عسكرية تقارب 90% من حجمها الحالي، مع ضمانات أمنية أقوى لحماية أوكرانيا والحلف الأطلسي من أي "عدوان روسي مستقبلي".
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع اليوم الذي أعلنت فيه إدارة ترامب مقترحها للسلام، في وقت لم تكن فيه تفاصيل الاتفاق قد كُشفت بعد بشكل كامل.
الدروس الأربعة الكبرى
بحسب تساهكنا، هناك 4 دروس أساسية يجب على أوروبا استخلاصها من الحرب في أوكرانيا:
1. عدم الخوف من مواجهة روسيا مهما كانت الكلفة.
2. كشف كل الجرائم والانتهاكات التي ترتكب، لأن عرض الفظائع أمام العالم كان نقطة تحول في حجم الدعم الدولي لأوكرانيا.
3. الدفاع الصارم عن سلامة أراضي الدول ذات السيادة، وتقديم الدعم الحاسم لوقف أي تصعيد.
4. إدراك أن روسيا باتت تشكل تهديداً دائماً، وأن الاستثمار في القدرات العسكرية لم يعد خياراً يمكن تجاهله.
وقال الوزير الإستوني إنه لطالما تصرفت أوروبا، ولسنوات طويلة، كقط سمين مترهل، في إشارة إلى التراخي في الجاهزية الدفاعية. وأضاف: "الحرب لم تعد على الجبهة الشرقية فقط، بل أصبحت واقعا أوروبيا بمعنى أن أوكرانيا نفسها جزء من أوروبا، والكلفة يدفعها الأوكرانيون أولاً، كما يدفعها أيضاً المواطنون الروس".
وأشار إلى أن الابتكار العسكري الذي أظهرته أوكرانيا يجب أن يكون دليلا لكيفية إنفاق الميزانيات الدفاعية الأوروبية مستقبلا، محذرا من أن ضخ تريليونات اليوروهات في الدفاع دون رؤية واضحة سيؤدي إلى هدر إستراتيجي.
موسكو تختبر حدود أوروبا
ويرى تساهكنا أن روسيا استغلت "الخوف من التصعيد" لمواصلة توسيع نفوذها، ما سمح لها بتحقيق مكاسب في جورجيا وأوكرانيا دون ردع حاسم.
وأضاف أن محاولة أوروبا ربط روسيا اقتصادياً شكلت "خطأً كبيراً"، إذ تحولت التبعية في الطاقة إلى أداة ضغط روسية على القارة.
وقال: "نحن الآن نعاني كثيراً، لكن لحسن الحظ قررنا في الاتحاد الأوروبي التخلي عن استيراد الطاقة من روسيا".
الحرب الهجينة: التحدي الأخطر
ومن أبرز الدروس التي استخلصتها أوروبا، وفق الوزير الإستوني، أن روسيا غيّرت أسلوبها في إدارة الحروب، معتمدة بشكل متزايد على "الحرب الهجينة" التي تشمل التخريب، والضغط النفسي، والعمليات غير المباشرة دون اشتباك عسكري تقليدي.
وأشار إلى اتهامات وجّهتها دول في الناتو هذا الشهر لروسيا بتنفيذ عمليات تخريب في بولندا، تسببت بانفجار على خط سكك حديدية حيوي لإمداد القوات الأوكرانية.
وأوضح تساهكنا أن هذه الاعتداءات ليست حرباً تقليدية، لكنها عدوان قائم بالفعل بأساليب هجينة، مؤكداً ضرورة رسم خطوط حمراء واضحة أمام موسكو.
هل حان وقت تفعيل المادة الخامسة؟
وتحدث الوزير أيضاً عن انتهاكات جسيمة لمبدأ سيادة الدول تقوم بها موسكو بهدف اختبار وحدة أوروبا وعلاقتها بالولايات المتحدة. وقال إن هذه الهجمات لا تطال دول البلطيق أو بولندا فقط، بل تمتد إلى ألمانيا ودول أخرى في قلب أوروبا.
وأشار إلى أن ما يجري قد يفتح النقاش حول تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تعتبر أي اعتداء على دولة عضوا اعتداء على الحلف بأسره، مؤكدا أن حجم التصعيد الروسي بات يرقى في نظره إلى مستوى عدوان فعلي.
بوتين في مرمى التحذير
تأتي تحذيرات تساهكنا في وقت يواصل فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التأكيد على روايته للحرب، وسط تصعيد سياسي وعسكري متواصل. غير أن الوزير الإستوني يرى أن اختبارات موسكو المتكررة لوحدة الحلف عززت من عزيمة الدول الأوروبية، مضيفاً: "كنا أكثر حذراً في الماضي، أما اليوم، فإذا رأينا تهديداً مباشراً لسيادتنا، سنرد عليه بالقوة".
ويخلص تساهكنا إلى أن تجربة أوكرانيا لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى مختبر حقيقي لمستقبل الحروب في أوروبا، ودليلاً على أن مرحلة ما بعد السلام الأوروبي الطويل قد انتهت فعلياً.