رغم تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أزمة السودان، إلا أن الموقف أصبح أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت بسبب تعنّت قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي يرفض أيّ مقترحات للهدنة أو لوقف الحرب.
ورفض البرهان مقترح الهدنة الأخير الذي قدمته الرباعية الدولية لوقف الحرب. واعتبر أنّ ما طرحته عبر المبعوث الأميركي مسعد بولس هو "أسوأ ورقة يتم تقديمها باعتبار أنها تلغي وجود القوات المسلحة وتطالب بحل جميع الأجهزة الأمنية وتبقي قوات الدعم في مناطقها".
وأضاف "نحن نقول له إنّ ورقتك هذه غير مقبولة".
وبعدها بساعات أعلن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" هدنة إنسانية من طرف واحد تستمر 3 أشهر. وقال في كلمة مسجلة "انطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية واستجابة للجهود الدولية المبذولة وعلى رأسها مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومساعي دول الرباعية... نعلن هدنة إنسانية تشمل وقف الأعمال العدائية لمدة ثلاثة أشهر" والموافقة على تشكيل آلية مراقبة دولية.
ويتفق المحللون أن الذي يعقد الحرب ويمنع وقفها الموقف المتعنت للبرهان، الذي تتحكم فيه جماعة "الإخوان" والحركات الإرهابية المرتبطها بها.
"مأزق حقيقي"
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي السوداني الطيب الزين إنّ دخول الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب على خط الأزمة السودانية سيجعلها في دائرة الاهتمام الدولي، ويزيد من حجم الضغوط على الأطراف المتحاربة.
وأوضح في تصريح لمنصة "المشهد" أنّ هذا التدخل قد يفتح المجال أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عجز القوى المحلية عن إدارة أزمتها ذاتيًا ما يجعل السودان ورقة في لعبة النفوذ الإقليمي والدولي، وهو ما قد يسرع الحل أو يعقد المشهد أكثر تبعًا لاستجابة الأطراف.
وفي معرض حديثه عن إمكانية نجاح التحالف الذي يضم مصر والسعودية والإمارات إلى جانب واشنطن في وقف الحرب، أكد الزين أن القدرة على ممارسة الضغط السياسي والاقتصادي متوفرة لكن الإشكال يكمن في الإرادة.
وأضاف الزين أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان سبق أن رفض مبادرة "الرباعية"، لكنه رحب بإعلان ترامب وهو ما يعكس تناقضًا في مواقفه.
ورغم تضييق خياراته، لا يُستبعد -بحسب الزين- أن يلجأ البرهان إلى ذرائع جديدة للتهرب من أيّ التزام فعلي بالسلام.
أما بشأن موقف الجيش من أيّ هدنة محتملة، فقد أوضح الزين أنّ المؤسسة العسكرية تواجه مأزقًا حقيقيًا: إما أن تقبل بالهدنة تحت ضغط دوليّ أو تستمر في حرب تستنزفها وتفقدها شرعيّتها. وأشار إلى أنّ البرهان قد يلجأ مجددًا إلى أسلوب المراوغة المعتاد عبر تعطيل أو تأجيل أيّ اتفاق حفاظًا على مصالحه الضيقة.
بدوره، أكد الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني أنّ دخول ترامب على خط الأزمة السودانية منح مبادرة "الرباعية" زخمًا جديدًا، حيث ارتقى بها من مستوى وزاريّ إلى مستوى رئاسي وهو ما يوفر قوة دفع أكبر وسرعة في التعامل مع الملف.
وفي معرض حديثه عن إمكانية نجاح التحالف الذي يضمّ الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات في وقف الحرب، أوضح ميرغني أن ذلك ممكن من حيث القدرة على ممارسة الضغط السياسي والاقتصادي.
وشدد ميرغني في تصريحات لمنصة "المشهد" على أنّ هذا لا يلغي دور شركاء آخرين مثل قطر وتركيا وبريطانيا الذين تربطهم علاقات وثيقة بالملف السوداني.
وحول موقف البرهان، أشار إلى أن الأخير لم يرفض مبادرة الرباعية بشكل قاطع لكنه لم يوافق عليها أيضا، موضحاً أن خطابه الجماهيري يتسم بالتشدّد بينما عملياً يشارك في مفاوضات غير مباشرة مع قوات الدعم السريع وفق خارطة طريق الرباعية.
تعنّت الجيش يعرقل الحل
من جانبه، قال الخبير الإستراتيجي الدكتور عامر السبايلة إن الخلاف القائم بين البرهان وحميدتي هو جوهر الأزمة السودانية التي تحولت في نهاية المطاف إلى حرب أهلية.
وأوضح السبايلة أن المشكلة اليوم تتمثل في طرفي الصراع، وبشكل خاص في موقف البرهان الذي يصرّ على رفض أيّ مبادرة للحل، الأمر الذي يقلل من فرص النجاح ويعكس تمسكه برؤية تمثل تيارًا رافضًا لأيّ تسوية.
وأضاف أن هذا الموقف المتشدد من البرهان يضعف إمكانية نجاح أيّ مبادرة، بما فيها المبادرة الأميركية، التي تسعى إلى إيجاد صيغة توافقية بين جميع الأطراف.
وشدّد على أن صيغة البرهان للحل تقوم على إقصاء الآخرين وفرض رؤية أحادية، وهو ما وصفه بأنه "وصفة لإدامة الصراع وليس لإنهائه". وأشار السبايلة إلى أن استمرار الأزمة بهذا الشكل سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني وتدهوره بشكل أكبر، مؤكدًا أنّ الطرف الرافض للحل يتحمل مسؤولية مباشرة عن المعاناة الإنسانية المتزايدة.
ولفت إلى أن الدول الداعمة للبرهان مطالبة بإدراك أن رفض أيّ صيغة للحل بهدف إقصاء الجميع أو إعادة فريق سابق إلى المشهد أو حتى التعبير عن رؤية مرتبطة بتنظيم "الإخوان المسلمين" قد يكون سببًا رئيسيًا في استمرار المأساة السودانية.
وطرحت الولايات المتحدة خطة سلام وصفتها بأنها "محكمة"، وقدمتها للجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكن الرد لم يكن مشجعًا.
وقال المبعوث الأميركي مسعد بولس إنّ الجيش رفض الخطة بالكامل، ورفع شروطًا وصفها بأنها "مستحيلة التنفيذ" الأمر الذي أفقد المبادرة الأميركية زخمها.
في الوقت نفسه، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعلن أنه ينوي التدخل بنفسه لوقف الحرب التي تركت وراءها أزمة إنسانية قاسية.
وأكدت الإمارات أيضا التزامها بالسلام ومشدّدة على أنّ مستقبل السودان لا تحدده جماعة "الإخوان" ولا القوى المرتبطة بها.
سيناريوهات للحل
وفي ما يتعلق بآفاق الحل بعد التدخل الأميركي، طرح الزين 3 سيناريوهات رئيسية:
- تفكيك تنظيم "الإخوان": وهو الخيار الأكثر جذرية، ويقوم على إنهاء البنية التي حكمت السودان منذ عام 1989.
- حل شامل يعالج جذور الأزمة: عبر مقاربة قضايا الهوية والسلطة والثروة بشكل متكامل، بعيدًا عن الحلول الجزئية.
- خيار الدولتين: وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث قد يُفرض تقسيم السودان إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى صيغة وحدة عادلة، خصوصًا إذا طال أمد الحرب بلا نهاية.
أما عن السيناريوهات المحتملة لحل الأزمة بعد التدخل الأميركي، توقع ميرغني أن يبدأ المسار باتفاق على هدنة تُعدّ بمثابة خطوة أولى لإظهار حسن النوايا وفتح الباب أمام إجراءات عملية تمهيدًا لإنهاء الحرب.