لن تكون مبالغة إذا اعتبرنا مجال المراهنات على نتائج المباريات والأحداث الرياضية هي واحدة من الظواهر الدخيلة على المجتمع العربي خلال السنوات القليلة الماضية.
أموالُ تضيع، وشباب يُهدر، وعقل يُشتت، وطاقات تُستنفذ في أمور غير مفيدة، والهدف هو البحث عن الثراء السريع، أو هكذا يُخيل لمن يطرق أبواب هذا المجال.
ليس بالضرورة أن يكون البحث عن المال هو السبب، فقد يكون الهدف هو إرضاء غرور ذاتي يدور حول البراعة في التنبؤ والتخمين.
هذا ما ذكره لـ"المشهد" أحد الشباب الذين دخلوا في عالم المراهنات في عام 2017، قبل أن يخرج من ذلك العالم بعد عامين، وقد فضّل الحفاظ على سرية هويته، ونشير له في بقية التقرير بـ"م.ر"، حيث قال: "بدأ الأمر بالصدفة. كنت أعمل في مكانٍ ما، وكان رب العمل يمنع استعمال التلفزيون. فقمت بتحميل تطبيق لمتابعة نتائج المباريات، وبالخطأ وقع اختياري على تطبيق يشمل مراهنات لتوقع نتائج مباريات الألعاب المختلفة".
وتابع: "أثار الموضوع فضولي، خصوصا أنني كنت أعتقد أنني متفوق في توقع نتائج المباريات بشكل صحيح. فخُضت الأمر من باب تحدي الذات وإرضاء الغرور وليس لكسب المال".
ما هي المراهنات؟
بشكل مُبسّط للغاية، فإنّ فكرة المراهنات الإلكترونية هي مواقع أو تطبيقات تتيح فرصة للمستخدمين لتوقع نتائج مباريات كرة القدم والأحداث الرياضية مقابل اشتراك مادي، ويحصل الفائز في التوقّع على مبلغ يشمل ما قام بدفعه وما دفعه غير من المستخدمين، وهو الأمر الذي يشبه المقامرة.
اقتحم هذا الأمر أوساط الشباب العربي بشكل واسع، خصوصا مع حلول مباريات كأس العالم 2022، حيث بدأ الترويج بشكل واسع لهذه التطبيقات، التي يسهل الاشتراك فيها وشحن أرصدة الحسابات بمبالغ بطرق متعددة.
يبدو الأمر مسلّيًا وجاذبًا في البداية، ولكنّ التوابع والأضرار يصعب تخيّلها.
في ضوء ذلك، نُشرت العديد من الدراسات والأبحاث التي تتحدث عن خطورة إدمان المراهنات وما تُحدثه من اضطرابات وأزمات نفسية، ولعل أهمها هي الدراسة التي نشرتها "الجمعية الأميركية للطب النفسي" في يوليو 2023.
وتحدثت هذه الدراسة عن أبرز الفئات التي يمكن أن تخضع لإغراء المراهنات، وقد ارتكزت على الشباب الذين يفتتحون العشرينيات من أعمارهم.
واستندت الدراسة في نتائجها إلى استطلاع أجرته الحكومة الكندية في عام 2018، وشمل 38 ألف شاب، جاء في نتائجه أن ثُلثي هذا العدد تتراوح أعمارهم ما بين 12 إلى 18 عامًا، وقد بدأوا في الانخراط في المراهنات.
مع النظر إلى العوامل السابقة، لن يكون غريبًا أن تنتشر الظاهرة في بيوت عربية، وهذا ما أقرّه نجم كرة القدم المصرية السابق أحمد حسام ميدو خلال لقاء تلفزيونيّ في ديسمبر 2022، بصفته ولي أمر.
وقال ميدو حينها: "وجدت مع أحد أبنائي مبلغ 2000 جنيه إضافي للمصروف الذي أمنحه له عادة، فسألته عن مصدر تلك الأموال، وأخبرني أنه يراهن في إحدى أكشاك السجائر".
وتابع: "إحدى تلك التطبيقات متاحة بشكل مجانيّ في مصر، ويمكن لأطفال في الـ12 من أعمارهم أن يراهنوا بسهولة. أنتظر تدخّل المسؤولين".

ببحث سريع عبر منصة "فيسبوك"، يمكن أن تجد المجموعات التي تحمل اسم إحدى شركات المراهنات الشهيرة والمعروفة بانتشارها في العالم العربي، بل التي ترعى بعض الفرق في الوطن العربيّ كذلك، ويشرف عليها شباب يقوم بالدعاية لتلك التطبيقات وشرح طريقة استخدامها ونشر الأكواد الترويجية المجانية لجذب الشباب.

لماذا يُجذب الشباب بسهولة إلى المراهنات؟
من خلال ما خلصت إليه الدراسات المتعددة عن مجال المراهنات "gambling"، ومن خلال ما توجّهنا به من أسئلة للمتخصّصين، ومن انخرطوا في الأمر بشكل عملي، يمكن أن نستخلص الأسباب التالي:
- ربح سريع: تُعدّ المراهنات فرصة لتحقيق مال سريع في ظل ظروف اقتصادية صعبة، ويصبح الأمر أكثر خطورة عند الخسارة، حيث يسعى البعض إلى تعويض ما خسروه من أموال، وتستمر الدائرة إلى ما لا نهاية.
- الترفيه والتحدي العقلي: لعلها فرصة لإرضاء الغرور البشريّ والقدرة على حسن توقّع النتائج، ولا بأس إن كان هناك مقابل ماديّ لذلك.
- سهولة الوصول: في ظل عدم وجود رقابة على الأمر، ومع انتشار هذه التطبيقات والترويج لوسائلها في أوساط تجمعات الشباب، فلن يمانع كثيرون فكرة التجربة.
يعود "م.ر." ليخبر "المشهد": "في بعض الفترات، كنت أنشغل وأغيب عن استعمال هذه التطبيقات، فكانت تقوم بإغرائي من جديد بإرسال مبلغ ماليّ بسيط لأقوم بالمراهنة به كهدية لجذبي للعودة".
في ضوء ذلك، يتحدث خبير تكنولوجيا المعلومات المصريّ المهندس أحمد الحارثي لـ"المشهد"، قائلًا: "في ظل انتشار ظاهرة المراهنات في مصر، تتزايد الحاجة إلى التصدي لهذه المشكلة ووضع حلول فاعلة. تشكل المراهنات تحدّيًا كبيرًا يؤثر على الشباب والمجتمع بشكل عام، ومن هنا يتطلب التعاون والتحرك الجماعيّ لمكافحتها".
جرائم بسبب المراهنات
لا يمكن تخيّل المخاطر النفسية التي قد تنتج عن المراهنات خصوصًا عند الخسارة.
فمن يفقد المال يسعى لتعويضه، وفي ظل التغيرات النفسية والسلوكية، يمكن أن يصل الأمر إلى أبعاد لا يمكن تصوّرها.
فلا يوجد رادع أمام سرقة من أجل تعويض الخسارة والحماية من سجن محتمل بسبب الديون، خصوصًا أنّ البعض يدين بالمال من أصدقاء أو معارف بحجة استثمارها في تلك المراهنات، أملًا في الربح منها.
ووصل الأمر فعليًا إلى المساومة بالأرواح، بل والقتل نظير تلك الخسائر المالية.
قد تظنّها قصة خيالية، ولكن كانت واقعًا، حيث راح أحد الشباب كضحية لشاب آخر يعمل كمدرس للفيزياء في محافظة الدقهلية بمصر، حيث قام باختطاف شاب آخر كان طالبًا لديه في إحدى المجموعات الدراسية، وساوم أسرته على مبلغ ماليّ كبير.
وقال والد الشاب المجني عليه في تصريحات إعلامية، أبرزها موقع "صدى البلد" الإلكترونيّ المصري: "في يوم الجريمة نفسه، مدرّس الفيزياء قام بنشر "بوست" عن نجلي، وكان يدعو على قاتله، ولكنه كان يساومني للحصول على 500 ألف جنيه، وكان لديه 17 خط تليفون من أجل تحويل الأموال، وعامل حصر بـ27 ماكينة صرف أموال ليس بها كاميرات مراقبة، وأنه خسر مبلغ 300 ألف جنيه في إحدى المراهنات".
ببساطة، فإنه إدمان يشبه إدمان المخدرات والموادّ الكيميائية، فلن يكون الشخص المُنخرط في الأمر في حال طبيعية، حيث سيغرق في أزمات مالية وقانونية، وقد يفقد عمله الدائم بسبب انشغاله بهذا الإدمان، وكما نرى فالأمر يصل إلى الجرائم العمد.
كيف نحمي الشباب من خطورة المراهنات؟
يؤكد المهندس محمد الحارثي لـ"المشهد"، أنّ "التشريعات القوية والرقابة الصارمة، تُعتبر أدوات أساسية، في هذا السياق. يجب تشديد القوانين المتعلقة بالمراهنات وفرض عقوبات رادعة على المخالفين. بالإضافة إلى ذلك، يجب مراقبة المواقع والمنصات الإلكترونية غير القانونية، التي تسهّل المراهنات واتخاذ إجراءات قانونية ضدها".
وتابع: "ومع ذلك، لا يكفي فقط تشديد القوانين، بل يجب أيضًا التركيز على تعزيز التثقيف والوعي حول المخاطر المرتبطة بالمراهنات. يجب توفير برامج توعوية في المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية، لتعريف الشباب بالمخاطر والتأثيرات السلبية للمراهنات على الصعيدين الشخصيّ والاجتماعي".
ومن واقع تجربة شخصية، يقول "م.ر." لـ"المشهد": "بعيدًا عن الجانب الديني، فإنّ الأمر يمكن أن يتحول إلى إدمان. يجب أن يضع كل شخص حدًا لذاته".
وشدّد: "النصيحة الأهم، هو شغل الوقت بهوايات مفيدة أو عمل مثمر، لأنّ الانخراط في المراهنات، من الممكن أن يؤثر على الصحة النفسية، وهذا ما تذكره الشروط واللوائح الخاصة باستخدام هذه التطبيقات".
يؤكد الحارثي لـ"المشهد" على نصيحة "م.ر."، حيث أفاد: "يجب توفير بدائل صحية وبنّاءة للشباب، مثل تعزيز الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية. يمكن أن تساهم هذه الأنشطة في تلبية احتياجات الشباب وإشباع رغباتهم بشكل إيجابي، ما يقلّل من انجذابهم للمراهنات".
الوضع القانوني للمراهنات في مصر
وفقًا للقانون المصري، تقول المادة 352 من قانون العقوبات: "يتم تجريم كل من أعدّ مكانًا لألعاب القمار، وهيّأه لدخول الناس فيه، يعاقب هو وصيارف المحل المذكور بالحبس، وبغرامة لا تتجاوز 1000 جنيه، وتُضبط جميع النقود والأمتعة في المحلات الجاري فيها الألعاب المذكورة، ويحكم بمصادرتها".
وفي ظل التقدم التكنولوجي، لا تبدو هذه المادة مرنة مع فكرة المراهنات الإلكترونية والألعاب الـ"أونلاين"، ولا تبدو النصوص القانونية واضحة بهذا الشأن، ولكن تُعدّ المادة 23 من الجرائم المرتكبة بواسطة أنظمة وتقنية المعلومات، هي الأقرب للتطبيق في هذا الملف، والتي تقول:
- يعاقَب بالحبس مدة لا تقلّ عن 3 أشهر والغرامة التي لا تقلّ عن 30 ألف جنيه، ولا تتجاوز الـ50 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلّ من استخدم الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، في الوصول بدون وجه حق، إلى أرقام أو بيانات أو بطاقات البنوك والخدمات، أو غيرها من أدوات الدفع الالكترونية.
- فإن قصد من ذلك استخدامها في الحصول على أموال الغير أو ما تتيحه من خدمات، يعاقَب بالحبس مدة لا تقلّ عن 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتَين.
- تكون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة، والغرامة التي لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز 200 ألف، أو إحدى العقوبتين، إذا توصل من ذلك إلى الاستيلاء لنفسه أو لغيره على تلك الخدمات أو مال الغير.
وقد بدأ القانون المصريّ في تفعيل موادّه وإسقاط بعض الشبكات التي تعمل في تمويل هذا المجال، وكان آخرها شبكة في محافظة أسيوط خلال الشهر الماضي.