أثار تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي، بشأن استعداد بلاده لاستئناف التجارب النووية "على قدم المساواة" مع روسيا والصين، جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ومن شأن إعادة تشغيل اختبارات الرؤوس الحربية أن تُنهي وقفًا اختياريًا استمر 3 عقود بين القوى النووية الكبرى، وتفتح الباب أمام سباق تسلح جديد يذكّر بأجواء الحرب الباردة، وفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز".
وجاءت تصريحات ترامب في أعقاب إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن اختبار منظومتين جديدتين لتسليم الأسلحة: صاروخ "بوريفستنيك" بعيد المدى العامل بالطاقة النووية، والطوربيد "بوسيدون" القادر -وفق موسكو- على إحداث موجات مد مدمرة وإشعاعات كارثية.
وأكد بوتين أنّ هذه الأنظمة قادرة على تجاوز الدفاعات الحالية، في انتقاد مباشر لمشروع ترامب الرامي إلى توسيع منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية، وتحويلها إلى ما وصفه بـ"القبة الذهبية".
ورغم أنّ بعض المسؤولين الأميركيين حاولوا التخفيف من وقع تصريحات ترامب، بالإشارة إلى أنّ المقصود هو تكثيف اختبارات أنظمة الإطلاق لا الرؤوس النووية، فإنّ مقابلة تلفزيونية لاحقة للرئيس الأميركي أوحت بأنه يتحدث عن تجارب نووية متفجرة.
أما وزير الطاقة، فأكد أنّ بلاده ستواصل فقط الاختبارات غير النووية.
مبرّر لدول أخرى
لكنّ العودة إلى التجارب النووية، إن حدثت، ستشكل تراجعًا خطيرًا، حيث ستمنح غطاءً لروسيا والصين وربما لدول أخرى لتطوير ترساناتها، كما قد تدفع دولًا غير نووية إلى السعي لامتلاك السلاح النووي.
والأخطر أنها ستقوّض ما تبقى من منظومة الحد من التسلح بين واشنطن وموسكو، بعد انهيار اتفاقيات الصواريخ المتوسطة المدى والدفاع المضاد للصواريخ.
ومع اقتراب انتهاء معاهدة "ستارت الجديدة" في فبراير المقبل، التي تحدد سقف الرؤوس الإستراتيجية بـ1,550 رأسًا لكل طرف، عرض بوتين تمديدها لعام إضافي بشروط، فيما لم تقدّم واشنطن ردًا رسميًا بعد.
ويثير تآكل منظومة الحد من التسلح إلى جانب الاندفاع نحو أنظمة تسليح جديدة، قلقًا متزايدًا منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث استخدم بوتين التهديد النووي لردع تدخل الناتو.
وتشير تقديرات الاستخبارات الأميركية إلى أنّ احتمال لجوء موسكو إلى السلاح النووي في أواخر 2022 بلغ 50%.
في الوقت ذاته، يلوح عامل جديد في المشهد الإستراتيجي مع صعود الصين كقوة نووية متنامية. فالبنتاغون يتوقع أن يتضاعف مخزون بكين من الرؤوس الحربية من نحو 600 إلى أكثر من 1,000 بحلول 2030.
وشدد ترامب على ضرورة انضمام الصين إلى أيّ اتفاقيات مستقبلية للحد من التسلح، بينما ترفض بكين بحجة أنّ ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو.
منع سباق التسلح
ورغم تحفظاتها، يرى مراقبون أنّ من مصلحة الصين الانخراط في جهود منع سباق تسلح متعدد الأطراف، خصوصًا وأنها دعت سرًا إلى ضبط النفس بعد تهديدات بوتين عام 2022. فالسلاح النووي ليس فقط مرعبًا بقوته التدميرية، بل أيضًا مكلف للغاية.
وبغضّ النظر عن خلافات ترامب مع بوتين أو موقف الصين، يبقى الخيار الأمثل أمام واشنطن هو السعي لتمديد معاهدة "ستارت الجديدة" كخطوة أولى نحو إعادة بناء منظومة الحد من التسلح.
وكما يرى محللون، سيكون إنجازًا أكثر قيمة على طريق السلام العالمي من كسر المحرمات النووية المستمرة منذ عقود.