أشعل إسقاط الجزائر لمُسيّرة آتية من مالي نحو الحدود الجزائرية الشمالية، أزمة جديدة بدت تتضح معالمها، استغلتها مالي من أجل التجييش ضد الجزائر وحشد الدعم الشعبي في الدول التي تعاني من تبعات الانقلابات التي حصلت فيها مؤخرا، وفقاً لما تناقلته وسائل إعلام جزائرية.
لكنّ أبعاد هذا الملف أكبر من ذلك، حيث كشف اللواء محمد عبد الواحد الخبير في الأمن القومي والشؤون الإفريقية عبر برنامج "المشهد الليلة" أن التوتر في هذه المنطقة يأتي نتيجة تراكمات وخلافات سابقة خصوصاً بعد الانقلابات التي حصلت في مالي بين عامي 2020-2021، فضلاً عن أن استخدامها للمُسيرات التركية من طراز "بيرقدار" أجج التوترات بطبيعة الأحوال.
وأضاف عبد الواحد لـ"المشهد" بأن النظام العسكري في الجزائر ينظر إلى منطقة الشمال على أنها منطقة خطر وتجمّع للإرهابيين، خصوصاً مع وجود عناصر من تنظيم القاعدة وداعش، فالجزائر عانت بما فيه الكفاية من "العشرية السوداء" خلال فترة التسعينات وشهدت فترة عنيفة من الإرهاب، استطاعت أن تسيطر على البلاد لتحارب عدة مجموعات مسلحة هربت حينها إلى جنوب مالي "شمال الجزائر" وبالتالي فإنها الآن تعزز من وجودها العسكري على الحدود للحيلولة دون وصول هذه التنظيمات.
تصعيد مرعب
ولدى سؤاله عن تقاطع المصالح الدولية في منطقة الساحل الإفريقي ولمصلحة مَن؟ أشار عبد الواحد إلى أن ما يحدث يعتبر جزءاً من التنافس الدولي على المنطقة، خصوصاً بعدما تم طرد التواجد الفرنسي ليحل محله التواجد والنفوذ الروسي والصيني عبر مجموعات وميليشيات مسلحة مثل مجموعة فاغنر المسلحة وغيرها.
وما أثار التوترات أيضاً وفقاً للخبير في الأمن القومي والشؤون الإفريقية، قيام الحكومة العسكرية في مالي يناير العام الماضي بالانسحاب من اتفاق سلام مع الجزائر الذي أبرم عام 2015 كان ناجحاً وبمباركة دولية، إلاّ أنه بعد الانسحاب سادت حالة من عدم الثقة، زادت بدورها من وتيرة الحشد العسكري على الحدود الشمالية الجزائرية، كما أن مكافحة الإرهاب تمثل أرضية مشتركة بين الجزائر ودول الساحل، لكن انسحاب مالي بهذا الشكل قد ينشر الإرهاب مرة أخرى لاستغلال الظروف السياسية.
الطبيعة الجغرافية
وأكد اللواء عبد الواحد لـ"المشهد" بأن كل طرف دولي في الساحل الإفريقي لديه وجهة نظر مغايرة، وهنا تخشى الجزائر من هذا التواجد والنفوذ الأجنبي على حدودها الجنوبية مثل فاغنر التي تساند العسكريين في مالي، وبحكم طبيعة الجغرافيا فإن إقليم الأزواد أقرب إلى الجزائر من باماكو وبالتالي تنظر إليهم الجزائر من بُعد إنساني وليس عسكرياً؛ وسط تخوفات من التقارب بين الحكومة الجزائرية وإقليم الأزواد سواء الطوارق أو الإثنيات العربية، التي عادةً ما تنتهج وتتبنى الدبلوماسية والهدوء، كونها منطقة حيوية للأمن القومي الجزائري.
منطقة أزواد
أزواد التي تضم مجموعة إثنية متعددة الثقافات، تطالب منذ 1960 بالحكم الذاتي وبعض المزايا لها في الشمال الجزائري، وترفض أيضاً الحكومات المتعاقبة في مالي، ما يفتح باب التساؤلات حول إمكانية الجزائر لاستمالتهم مع النيجر وبوركينا فاسو، تفادياً لإعطاء الفرصة لمالي في محاولات الاستفزازات الحدودية؟
وأوضح عبد الواحد لـ"المشهد" بضرورة عدم اختزال الصراع فقط بين مالي والجزائر، فربما يتجاوز ذلك أو ينتقل إلى مجموعة الاقتصادية لغرب افريقا "الإيكواس" بحكم وجود توترات داخل هذه المجموعة وهناك مَن يغذي هذه الاضطرابات؛ بمعنى أن فرنسا لم تقف مكتوفة الأيدي على خروجها وهزيمتها من منطقة الساحل بهذا الشكل، وكذلك الولايات المتحدة تم خروجها من النيجر بهذا الشكل، وتم إضعاف وجودها لصالح النفوذ الروسي والصيني، ما يؤشر على أن المنطقة الإفريقية ستشهد مزيداً من التصعيد خلال الفترة القادمة.