بعد مرور عامين من أحد أكثر الصراعات دموية في العصر الحديث، اجتمع مفاوضون يمثلون إسرائيل و"حماس" لليوم الـ3 من محادثات السلام غير المباشرة في منتجع شرم الشيخ المصري.
يدرس الجانبان خطة سلام من 20 نقطة اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يشاركان في محادثات وصفها مسؤولون كبار مطلعون على المناقشات لصحيفة "إندبندنت" بأنها "أقرب ما وصلنا إليه" من نهاية الحرب.
عُرضت الصفقة، التي كانت تتكون في الأصل من 21 نقطة، للمرة الأولى على قادة الدول العربية والإسلامية في نيويورك الشهر الماضي. وعُدِّلت في اللحظة الأخيرة، ما أثار في البداية ارتباكًا وقلقًا لدى بعض الأوساط من احتمال انهيار العملية قبل أن تبدأ.
في الأيام التي سبقت الإعلان عن الخطة في مؤتمر صحفي مشترك عقده ترامب وبنيامين نتانياهو، حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي اجتماعًا مطولًا مع المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر في واشنطن العاصمة، حيث أُتيحت له، حسبما ورد، فرصة "إبداء رأيه" وإجراء تعديلات.
تغييرات اللحظة الأخيرة
علمت صحيفة "إندبندنت"، أنّ أكبر تعديل أُجري كان حذف بند يطالب إسرائيل بالموافقة على عدم قصف أو مهاجمة الدوحة مجددًا. وتقرر أن يركز اتفاق السلام على غزة، وأصر ترامب على مشاركة نتانياهو في مكالمة ثلاثية مع الدوحة يعتذر فيها للقيادة القطرية.
أعرب ترامب عن تفاؤله الواضح بشأن المحادثات، مشيرًا إلى إحراز "تقدم هائل" وأنّ الاتفاق وشيك. وعلى أرض الواقع، كان هناك "تفاؤل"، لكن ما حدّ من ذلك هو أنّ التوصل إلى اتفاق بهذا التعقيد سيستغرق أكثر من بضعة أيام فقط.
وقال مسؤول مطلع على المحادثات لصحيفة الإندبندنت: "في الوقت الحالي، يجري التركيز على "التفاصيل المتعلقة بمكان وزمان"انعقادها".
حذّر المسؤول قائلًا: "تتفق حماس وإسرائيل على أساسيات خطة الـ20 نقطة. وتركز الجولة الحالية من المحادثات على معالجة التفاصيل الدقيقة، وهي عملية طويلة في الماضي".
تُعامل خطة ترامب كدليل إرشادي للأفكار بدلًا من كونها منتجًا نهائيًا. وهكذا، وكما هو الحال مع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في يناير، سيتضمن الاتفاق الجديد 3 مراحل على الأقل، ولكن مع اختلاف جوهري واحد.
لم يحدد اتفاق يناير سوى التفاصيل الدقيقة للمرحلة الأولى، مع تفاهم على أن يتم التفاوض على تفاصيل المراحل التالية بمجرد بدء المرحلة الأولى.
لكنّ اتفاق وقف إطلاق النار هذا، لم يتجاوز المرحلة الأولى، وانهار في مارس. في ذلك الوقت، تبادلت إسرائيل و"حماس" اللوم، وقال دبلوماسيون من الشرق الأوسط لصحيفة الإندبندنت، إنّ إسرائيل "لم تحضر أبدًا" لمناقشة كيفية المضي قدمًا في الاتفاق.
ولتجنب تكرار هذا، يسعى المفاوضون إلى وضع جميع الجداول الزمنية وخطط العمل مسبّقًا.
قال مسؤول مطلع على المحادثات، "الفرق عن الجولات السابقة هو أنّ الهدف هو التوصل إلى اتفاق شامل يتضمن مراحل متفقًا عليها مسبّقًا قبل تنفيذه، بدلًا من مفاوضات مطوّلة للمرحلة الـ2 خلال المرحلة الأولى، كما فعلنا..."
وأضاف مسؤول مطلع على المحادثات: "في اتفاق يناير، تم تحديد موعد نهائي".
وتابع، "صُمم هذا الاتفاق لطمأنة الطرفين بأنه شامل. وبمجرد دخولنا المرحلة الأولى والتزام الطرفين بما هو مطلوب منهما، ننتقل إلى المرحلة الـ2".
إطلاق سراح الأسرى
وعلمت صحيفة الإندبندنت، أنّ المحادثات بدأت بنقاشات حول ما يُشار إليه بـ"الدافع" للاتفاق: وقف إطلاق نار فوري، ثم إطلاق سراح 48 أسيرًا متبقين مع "حماس"، أحياءً وأمواتًا، وهو ما سيؤدي بدوره، وفقًا للمسوّدة الأخيرة، إلى إطلاق سراح ما يقرب من 2000 فلسطيني يقضون أحكامًا بالسجن المؤبد، إلى جانب المعتقلين منذ أكتوبر 2023.
وخلال تلك الفترة، يُمكن أيضًا إعادة رفات أكثر من 700 فلسطيني متوفين من غزة، تحتجزهم إسرائيل حاليًا.
سيتزامن هذا مع جزء رئيسي آخر من المرحلة الأولى: انسحاب أولي للقوات الإسرائيلية إلى ما وصفه وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو علنًا بـ"الخط الأصفر".
وصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية "الخط الأصفر"، في بعض النقاط، بأنه يمتد لمسافة 6 كيلومترات داخل غزة، ما يعني أنّ القوات الإسرائيلية ستظل تحتل مدنًا مثل رفح على طول الحدود مع مصر، وفي الشمال مناطق مثل بيت لاهيا.
لكنّ المسؤولين قال مُطلعون على المحادثات، إنّ الخريطة لم تُستكمل بعد، وكذلك الجدول الزمني والجوانب العملية لذلك الانسحاب، وهو موضوع كان مطروحًا على طاولة المفاوضات في اليوم الـ3 للمباحثات.
"تسليم الحكم"
ستشهد المرحلة الـ2 "التسليم الكامل للحكم"، ما يعني بدء تشكيل هيئة موقتة من التكنوقراط الفلسطينيين المكلفين بإدارة الشؤون اليومية للقطاع، بإشراف ما أسماه ترامب "مجلس السلام"، برئاسة الرئيس الأميركي نفسه ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.
أعرب مسؤولون فلسطينيون عن مخاوفهم بشأن تشكيل هذه الهيئة الانتقالية، ومن سيشارك في مجلس السلام.
ستشهد المرحلة الـ2 أيضًا النشر الأولي لـ "قوة استقرار دولية"، كما هو موضح في خطة ترامب، وهي مجموعة تضم أفرادًا أجانب، وربما عربًا، لتدريب قوة شرطة فلسطينية مُدربة.
ستركز مناقشات المرحلة الـ2 على تشكيل حكومة "تكنوقراطية". وقد أوضح مسؤولون من منطقة الشرق الأوسط، أنّ "هناك اتفاقًا شاملًا على أنّ الفلسطينيين يجب أن يحكمهم الفلسطينيون أنفسهم".
كما يعتقدون أنّ هذا من شأنه أن يُمهد الطريق لتسليم السلطة إلى سلطة فلسطينية "مُصلحة"، وهي الهيئة المعترف بها دوليًا والمتمركزة في الضفة الغربية المحتلة.
المرحلة الـ3: دولة فلسطينية؟
ولكن ربما تكون نقطة الخلاف الأكثر مرارة هي الطريق إلى دولة فلسطينية، والتي يريد الفلسطينيون أن تكون جزءًا من المرحلة النهائية.
وتدعم هذه الدولة دول عربية وإسلامية رئيسية، بما في ذلك الوسيطتان مصر وقطر. وقد اعترفت المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى مؤخرًا بفلسطين.
لكنّ الدولة لا تُذكر في خطة ترامب إلا بشكلٍ مبهم، ليس كهدفٍ أو وعد، بل كأمرٍ "قد" يُستكشف إذا ما أجرت السلطة الفلسطينية إصلاحاتٍ.
أوضح نتانياهو، خلال المؤتمر الصحفي للإعلان عن الخطة، بوضوح تام أنّ إسرائيل لا تدعم قيام دولة فلسطينية. كما تحدّث عن احتفاظ إسرائيل "بالمسؤولية الأمنية" على الأراضي الفلسطينية. يتعارض ذلك مع بيان "حماس" نفسه، الذي قبلت فيه الجماعة المسلحة اسميًا أجزاءً من الاتفاق وأعلنته سبيلًا لتقرير المصير الفلسطيني.
مع استمرار المحادثات، لا يزال الطريق طويلًا، لكن "هناك أمل بالتأكيد"، كما قال المسؤول.
وأضاف: "بالنظر إلى المناقشات الجارية والاقتراح المفصل والمطول، أعتقد أنّ هناك الآن شعورًا جيدًا "داخل المبنى، كان هناك شعور بأنّ هذا هو أقرب ما وصلنا إليه على الإطلاق، والآن يتفاوض الطرفان بحسن نية."