بعد أكثر من عقد على الحرب المدمرة في سوريا، يظل شبح الألغام والقذائف غير المنفجرة يهدد حياة الآلاف من السوريين في الحقول وفي القرى وحتى في المدن.
ومع عودة النازحين إلى ديارهم بعد سقوط حكم الأسد، تتجدد المخاوف من كوارث مميتة، وهو ما حدث بالفعل خلال الأيام الماضية، حيث لقي 3 أفراد من عائلة واحدة حتفهم، نتيجة انفجار لغم في مدينة تدمر، بعدما عادت هذه العائلة النازحة لتفقد منزلها. وفي اليوم التالي، قتل 5 مدنيين بينهم طفل في ظروف مماثلة في محافظتي حماة ودير الزور، وهو ما يستدعي استجابة عاجلة لحماية الأرواح.
حمل كبير
وفي هذا الشأن، قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن، لقناة "المشهد": "حتى اللحظة، وثق المرصد وفاة العديد من الشهداء المدنيين نتيجة لانفجار الألغام منذ بداية العام 2010، كما وقع العديد من العسكريين أيضًا، ضحايا لهذه الألغام التي باتت منتشرة بشكل كبير جدًا في البادية السورية".
وأضاف عبد الرحمن: "هذا الأمر بات يشكل خطرًا كبيرًا على السوريين خصوصًا الذين يودون العودة إلى ديارهم، لأن عودتهم محفوقة بالمخاطر بسبب هذه الألغام، وندعو إلى تحركات عاجلة وحقيقية في هذا الصدد، فبعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، لم يعد هناك أي أعذار للمنظمات الدولية، كونها باتت تستطيع الدخول بسهولة وبكامل معداتها إلى داخل الأراضي السورية، لمساعدة الدفاع المدني السوري وأجهزة الهندسة".
وتابع: "الحمل الأكبر اليوم هو على عاتق الدفاع المدني الذي لا يستطيع وحده أن يقوم بهذه المهمة الصعبة، خصوصًا أنه يفتقر للإمكانيات التي تسمح له بتغطية كامل التراب السوري، وما أكثر الألغام الموجودة في التراب السوري، حتى أننا شاهدنا ترسانة النظام السوري التي كانت تستهدف الأراضي وتستهدف أبناء الشعب، وغالبية ساحقة من هذه الألغام ومخلفات الحرب، مسؤول عنها بشكل مباشر نظام الفار بشار الأسد".
"عشوائية وهستيرية"
من جهته، وعن تحركات الدفاع المدني في المناطق السورية، قال منسق برنامج إزالة مخلفات الحرب محمد سامي، لقناة "المشهد": "نحن كنا منتشرين في مناطق شمال غرب سوريا بشكل خاص، ونقوم اليوم بعمليات إسعافية في المناطق الجديدة التي نستطيع الوصول إليها، وهناك انتشار كثيف وهائل للألغام بنوعها المضاد للدبابات والمضاد للأفراد المحرمة دوليًا".
وأضاف سامي: "زراعة هذه الألغام حصلت في مناطق إدلب وحماة وحلب ومدن عديدة أخرى عن طريقة زراعة حقول ألغام، واستطعنا الوصول إليها وتوثيقها، وهذه الزراعة تمت بشكل عشوائي وهستيري ولا توجد خرائط كافية عنها، وجميع المناطق التي وجدنا فيها حقول للألغام كانت تحت سيطرة النظام وأيضا مناطق لتواجد الميليشيات الإيرانية وأخص بالذكر ريف حلب الجنوبي وريف إدلب الشرقي".
وتابع "من قام بزراعة هذه الألغام لجأ إلى الزراعة المختلطة وهي زراعة ألغام مضادة للدبابات بنفس الحقل مع ألغام مضادة للأفراد، بشكل يجعل حتى عملية التخلص منها على الأشخاص أو على الاختصاصيين صعبة جدًا، وبكثير من الحالات تكاد تكون غير ممكنة".
وأكد سامي أن "الدفاع المدني اليوم قادر على التعامل مع الألغام الأرضية، إن كانت مضادة للدروع أو مضادة للدبابات أو للأفراد، وما تستطيع القيام به فرق الدفاع المدني اليوم، هو تحديد حقول الألغام ووضع علامات تحذيرية حولها، لتحذير السكان المدنيين من خلال المجالس المحلية وأيضا عبر الناشطين".
وقال "الضرورة عدم الاقتراب من هذه المناطق، وأنا أدعو جميع سكان سوريا بشكل عام، إلى عدم العودة إلى عمليات الزراعة بشكل مباشر قبل مراجعة، إما السلطات المحلية الموجودة في المنطقة أو المجالس المحلية أو العاملين بهذا المجال الموجودين في المنطقة، لأن عملية الزراعة بشكل مباشر قد تعرضهم للموت وأقله إلى الخطر".
معاناة مجتمعية
بدوره، قال أستاذ العلاقات الدولية محمد فراس لقناة "المشهد": "ما بين الضحايا البشرية والمعاناة المجتمعية والندوب النفسية، تبقى المخلفات العسكرية استمرارًا للمأساة السورية، وأنا أعتقد بأن إعادة التأهيل بالنسبة لسوريا قد تشمل جميع القطاعات بدون استثناء، بدءًا من المؤسسات الحكومية انتهاءً بكل الأمور التي تجعل سوريا آمنة من جديد".
وأضاف "قد يكون الأطفال هم الضحايا الأكثر تأثرًا فيما يتعلق بالمخلفات العسكرية التي تنتشر في كل بقعة من الدولة السورية، والتي عصفت بها حرب أهلية لمدة أكثر ما يناهز العقد والنصف من الزمان، بالتالي أعتقد بأن استقرار الوضع في سوريا قد يفتح المجال أمام علاج كل مخلفات هذه الحرب، كما أن التكنولوجيا والخبرات التي يمكن أن تتواجد في دول الجوار أو حتى الدول العالمية، يمكن الاستفادة منها من أجل تجنيب المجتمع السوري خطر المخلفات العسكرية".