في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وتحديداً في محطة "غار دو ليون" الشهيرة، يتربّع معلم تاريخي أسطوريّ على عروش الفخامة والرقيّ والذوق الفني الرفيع: مطعم "القطار الأزرق". منذ افتتاحه عام 1901، أصبح هذا المكان رمزاً لعصر "البيـل إبوك"، يحكي بلوحاته وزخارفه آلاف الحكايات، ويجسد جمال الفن الفرنسي في أوجه.
تُخطف أنفاس الزائر منذ اللحظة الأولى التي يصعد فيها سلالم المطعم، حتى دخوله أجواء ساحرة: قاعة فسيحة تزينها الثريات البراقة، أسقف مرسومة بدقة عالية، وأثاث فاخر يعكس أناقة الماضي وحداثة الحاضر. إنه ليس مطعماً فحسب، بل "متحف حيّ" يروي قصة أكثر من قرن من التاريخ.
جذب هذا المتحف على مر العقود شخصيات بارزة من فنانين وأدباء ورجال سياسة، ليُصنَّف اليوم معْلماً تاريخياً بفضل قيمته الفنية والمعمارية.
منصّة "المشهد" اكتشفت هذا الكنز الذي يختبئ في محطة قطارات تعجّ بآلاف المسافرين على عدد الساعات، وتحدّثت إلى كبير النادلين في المطعم، طوني بونسارد، الذي قال إن "القطار الأزرق لم يكن مجرد مطعم، بل كان امتداداً لشركة السكك الحديدية الكبرى باريس – ليون – مرسيليا. كان المسافرون يستقلّون القطار من باريس، يتناولون العشاء، ينامون في القاطرة، ليستيقظوا صباحاً عند الوصول إلى نيس. ومن هناك يواصلون رحلتهم حتى براغ، أو إلى شمال إفريقيا – المغرب، الجزائر أو تونس. هنا في المطعم، نحن أشبه بمتحف حيّ يروي هذا التاريخ، فنقدّم لزوارنا تجربة تجمع بين الطهي الفرنسي الأصيل والعمارة الرفيعة".
ويضيف بونسارد: "الاسم نفسه، القطار الأزرق، يحمل رمزيته. فمن جهة كان يصل إلى البحر المتوسّط – البحر الأزرق الكبير – ومن جهة أخرى، لون القطارات آنذاك كان أزرق، يرمز إلى السفر والمغامرة".
أما عن التجربة المميزة، التي يعيشها الزّائر، فيوضح طوني: "نحن نحافظ على تقليد العربات الصغيرة داخل القاعة، حيث تُحضَّر بعض الأطباق أمام الزبون مباشرةً: التقطيع، الطهو، إشعال الأطباق بالنار… كل ذلك يمنح الضيف لحظة شخصية فريدة".
وعن التاريخ يروي أن "المطعم افتُتح رسميًا سنة 1901 بحضور رئيس الجمهورية آنذاك، إيميل لوبيه. ومنذ ذلك الوقت كان ملتقى النخبة الباريسية وعالم الفن".
وبابتسامة يختصر طوني المكان بكلمتين "الفخامة الفرنسية.. إنه متحف حقيقي، بل يمكن القول إنه فرساي مصغّر".
أطباق متقنة، خدمة مميزة، وإرث معماري خالد.. القطار الأزرق أكثر من مجرد مطعم، إنه رحلة عبر الزمن إلى باريس القرن الماضي. محطة لا بد من زيارتها لكل من يبحث عن السياحة الراقية والتاريخ الحيّ في قلب العاصمة الفرنسية… فرساي المُصغّر هي وجهته من دون تردّد!!