تشهد العلاقات العراقية-التركية تطورات متتالية على المستوى الأمني والاقتصادي، كان أبرزها الاجتماع الرسمي المشترك بين وفدَي العراق وتركيا بشأن ملف المياه، الذي عُقد في مدينة أنقرة منتصف أكتوبر الحالي، ونتج عنه موافقة تركيا على إطلاق جزء من مياه نهر الفرات، وجزء من مياه نهر دجلة إلى الأراضي العراقية لمدة 50 يومًا، إضافة إلى اتفاق عراقي تركي طويل الأمد حول إدارة المياه.
وعلى المستوى الأمني، صوّت البرلمان التركي على تمديد تفويض القوات التركية المسلحة في سوريا والعراق لمدة 3 سنوات إضافية، تبدأ من 30 أكتوبر 2025، ما أثار شكوكًا حول نوايا أنقرة في تعزيز وجودها العسكري في العراق، واستخدام ملف المياه كورقة ضغط على بغداد، للحفاظ على قواعدها العسكرية قبيل الانتخابات العراقية المقررة في 11 نوفمبر المقبل.
ويرى خبراء أنّ خطة تركيا في زيادة تدفقات المياه واستئناف تصدير النفط العراقي عبر خط جيهان التركي، هو محاولة من أنقرة لدعم الحكومة العراقية قبيل الانتخابات، بينما يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، ويطرحون نظرية أنّ تركيا ترى من رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني، شريكًا مناسبًا لها لدعم مصالحها في العراق، وترغب أنقرة بتهدئة الشارع العراقي وضمان دعمه للسوداني في معركته الانتخابية.

تركيا تدعم الحكومة العراقية
وعن ذلك يقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية الدكتور علاء الدين القصير لمنصة "المشهد"، إنّ "مصطلح دعم تركيا للسوداني غير دقيق، إذ لا يمكن لدولة أن تدعم شخصًا واحدًا لغايات سياسية، بل نرى أنّ تركيا تدعم الحكومة العراقية بشكل عام، وفي المقابل على الحكومة العراقية مساندة تركيا في مسألة إنهاء القتال مع حزب العمال الكردستاني، والوصول إلى توافقات مع أكراد إيران المعارضين للحكومة التركية".
أما في ما يخص مسألة المياه، يوضح القصير: "لا يمكن لتركيا أن تستخدم مسألة المياه كورقة ضغط على السوداني، أي لا يمكن للجانب التركي دعم نجاح السوداني في الانتخابات البرلمانية عن طريق إطلاق تدفقات مياه نهري دجلة والفرات مقابل تثبيت نفوذها العسكري في العراق، لأنّ هذه المسألة لا تخص تركيا والعراق فقط بل تخضع لمواثيق وضمانات دولية، فعلى سبيل المثال تتعرض تركيا وهي دولة المنبع، لضغوط دولية حول مسألة توزيع الحصص المائية على دول المصب سوريا والعراق، بالتالي لا يمكنها وحدها التلاعب بالحصص المائية، إلا أنّ المشكلة الحقيقية في العراق، هي ضعفه الدولي والتفاوضي في تنظيم حصصه المائية".
تركيا تضغط في الوقت المناسب
وتعاني مناطق وسط وجنوب العراق من شح المياه، حيث تشهد المدن العراقية احتجاجات بين فترة وأخرى، كان أبرزها في محافظة البصرة منتصف سبتمبر الماضي، احتجاجًا على انقطاع مياه الشرب لأكثر من 20 يومًا في منطقة حي بغداد التي تضم آلاف المنازل. بينما تتحول أهوار العراق المسجلة على لائحة التراث العالمي يومًا بعد يوم، إلى مناطق جافة شبه خالية من المياه، ما وصفه مراقبون بالضغط الشعبي على السوداني قبيل حملته الانتخابية.
وحول ذلك، يقول المحلل السياسي مكرم القيسي، إنّ "تركيا ترغب ببقاء السوداني في الحكومة المقبلة، لذلك تدعم حملته الانتخابية، فهو يُعتبر شريكًا موثوقًا به لدى الجانب التركي، لأنه لعب دورًا جيدًا خلال الفترة الماضية بتقسيم الأدوار بين تركيا وإيران والولايات المتحدة الأميركية، إذ حافظ على التوزان السياسي بين هذه الأطراف، لذلك نرى أنّ حكومة أنقرة داعمة لنجاح السوداني في الانتخابات، على عكس رؤساء الحكومات العراقية السابقين، الذين كانوا أكثر قربًا من إيران، وسنشهد خلال الأيام القليلة القادمة أي قبل الانتخابات، كمية كبيرة من المياه ستتدفق من الجانب التركي إلى الأراضي العراقية، وهذه الخطوة هي لدعم حكومة السوداني من جهة وللمواطن العراقي من جهة أخرى".
وفي الإطار ذاته، يرى الباحث في الشأن السياسي نبيل التميمي، أن "تركيا تحرص على الحفاظ على علاقات مستقرة مع رؤساء الحكومات العراقية المتعاقبين، بينما يسعى كل رئيس وزراء عراقي إلى تحقيق تقدم ملموس في ملف المياه مع الجانب التركي، خصوصًا قبيل الانتخابات، لما يمثله أيّ اتفاق مائي من إنجاز سياسي وشعبي مهم، كما تدرك أنقرة جيدًا هذه الدينامية الانتخابية، ما يمنحها فرصًا تفاوضية أكبر خلال تلك الفترات الزمنية الحساسة، تمكنّها من فرض شروط أو مكاسب يصعب تحقيقها في ظروف أخرى".

تركيا تتحكم بملف المياه
وفي المقابل، صرّح مسؤول تركي لوسائل اعلام عراقية، أنّ تركيا تعاني أسوأ جفاف في تاريخها، ما يجعلها عاجزة عن توفير كميات المياه التي يحتاجها العراق، بالتالي التدفقات المائية الإضافية التي ستطلقها تركيا ستكون محدودة.
وعن ذلك يقول رئيس مركز "نهرين" للسياسات المائية وتغيّر المناخ رمضان حمزة: "وضع تركيا المائي يُعد أفضل من وضع العراق، لأنها تمتلك موارد مائية متجددة تُقدر بنحو 100-186 مليار متر مكعب سنويًا، تستخدم منها نحو 12% فقط، ما يعني أنّ لديها فائضًا مائيًا ومخزونًا جيدًا مقارنة بحجم السكان والاستهلاك". ويضيف:
- تركيا طوّرت بُنية تحتية متقدمة لإدارة المياه والطاقة الكهرومائية مع سدود ضخمة مثل سد أتاتورك، وسد كيبان، وسد اليسو، التي تُغطي جزءًا كبيرًا من احتياجاتها المائية والكهربائية.
- تركيا لديها مشاريع متطورة في معالجة مياه الصرف الصحي وتحسين استدامة الموارد.
- العراق يعاني أزمة مائية هي الأسوأ منذ 90 عامًا، مع انخفاض في منسوب مياه نهري دجلة والفرات بسبب تغيّر المناخ والجفاف، إضافة للسياسيات المائية لتركيا وإيران، التي تؤثر بشكل مباشر على تدفق المياه.
ويؤكد حمزة، أنّ العراق لم يوقّع إلى الآن اتفاقيات عميقة ومستقرة مع تركيا لتنظيم حصص المياه، إذ يتسلم العراق نحو 35% فقط من حصته المائية المفترضة، مع انخفاض معدلات هطول الأمطار والجفاف الذي أثر على الأراضي الزراعية والحياة اليومية للمواطنين، آملًا أن تثمر الجهود العراقية لتأمين الإمدادات المائية خلال الأشهر القادمة، وإيجاد حلول مائية للأنهار المشتركة بين هذه الدول، لكنّ الوضع المائي العراقي يبقى هشًا جدًا مقارنة بتركيا، بحسب تعبيره.
وسبق لتركيا أن تعهدت بزيادة الإطلاقات المائية لمواجهة أزمات الجفاف في العراق، لكنها ما زالت تتحكم عمليًا بكميات المياه التي تصل عبر سدودها، ويوضح حمزة هذه النقطة بالقول: "رغم قدرة تركيا على زيادة ضخ المياه نظريًا، فإنّ تنفيذ ذلك يعتمد على سياسات الحكومية التركية، والاتفاقات المائية بين الدول، والاعتبارات البيئية والإقليمية".
توّسع تركي في العراق
وعلى المستوى العسكري، أثار تمديد البرلمان التركي لوجود قواته في العراق، غضبًا واسعًا في الأوساط السياسية العراقية، واعتبره نواب عراقيون انتهاكًا للسيادة العراقية، وقرارًا يعكس رغبة تركيا بالتوسّع في الأراضي العراقية بحجة مكافحة "الإرهاب"، خصوصًا بعد الاتفاق الأخير بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، الذي أعلن انتهاء حالة الصراع المسلح مع تركيا وبداية زمن السلام والمفاوضات.
وعن ذلك يقول المحلل السياسي عائد الهلالي: "تركيا ترى من وجودها العسكري في العراق وسيلة لحماية حدودها الجنوبية من خطر حزب العمال الكردستاني، الذي ما زال يُعتبر وفق رؤيتها تهديدًا دائمًا رغم إعلان الحزب انسحابه إلى شمال العراق وحلّ نفسه، إذ لا تثق أنقرة تمامًا بصدق هذا الإعلان أو بقدرة بغداد وأربيل على ضبط عناصره المنتشرة في المناطق الجبلية الوعرة".
ويضيف: "لذلك تحاول تركيا الإبقاء على قواعدها ونقاطها العسكرية لتأمين عمق ميداني يسمح لها بمتابعة تحركات المجموعات الكردية والقيام بعمليات استباقية إذا تطلب الأمر ذلك، كما أنّ هذا الوجود يمنحها مساحة نفوذ جيوسياسي في منطقة غنية بالموارد تشكل ممرًا استراتيجيًا نحو سوريا وإيران، وهو ما يجعلها حاضرة في معادلة التوازنات الإقليمية المتحركة".
وفي العمق تسعى تركيا لترسيخ منطقة نفوذ في شمال العراق بحجة مكافحة الإرهاب ليس فقط ضد حزب العمال، بل أيضًا لمواجهة أيّ امتدادات لقوات "قسد"، التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، فسياسة تركيا في هذا الملف لا تقوم على الانسحاب، بل على تثبيت موطئ قدم دائم يضمن لها التأثير في أمن حدودها وموازين القوى شمال العراق. بحسب الهلالي.
من جهة أخرى يأتي هذا التمديد في توقيت حساس قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية، حيث يوضح الهلالي: "ترغب أنقرة في ضمان أنّ أيّ تغيّر سياسي في بغداد، لن يؤثر على مصالحها الأمنية والاقتصادية أو يعيد فتح ملف الانسحاب التركي مجددًا، كما أنّ القيادة التركية تسعى داخليًا إلى إظهار الحزم في حماية الحدود ومكافحة الإرهاب، لتكريس صورتها كحكومة قوية تدافع عن أمن البلاد ومصالحها خارج الحدود وهو خطاب يحظى بشعبية لدى الشارع التركي".