اشتدّ جدل في تونس مؤخرا حول اتهامات باستغلال الأطفال في صيد العقارب بتونس، بمناطق الجنوب التونسي، والمخاطرة بهم من أجل الحصول على سمّ العقارب المستخدم في صنع الأمصال والعقاقير الطبيّة.
وكانت المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط قد نشرت بيانا عبّرت من خلاله عن انشغالها الكبير، لما اعتبرته ظاهرة خطيرة تهدد حياة الأطفال، وهي صيد العقارب لفائدة معهد باستور، مطالبة الأخير بالتوقف عن قبول عقارب يصطادها أطفال.
في المقابل رفض مديره الهاشمي الوزير، هذه الاتهامات، نافيا بصورة قطعية صلته بالموضوع، قائلا: "إنّ المعهد لم يقتنِ عقارب أو أفاعٍ منذ أكثر من سنة، وعملية شرائها تتم عبر شركة خاصة ومنظّمة بكرّاس شروط".
وسلّطت هذه الحقائق الضوء على نشاط صيد العقارب والزواحف، الذي يتفرد به سكان الجنوب، والتي يمارسونها بصفة موسميّة.
وصيد العقارب والزواحف في جنوب تونس، نشاط متعارف عليه، ويزدهر في الأوساط الريفية، ويُقبل عليه الكبار مثل الصغار.
وتعدّ هذه التجارة موروثا عائليا يتناقلها الأفراد، ويقوم بها البعض بصفة قانونية بالتعاون مع شركات حائزة على ترخيص، فيما يمارسها الأغلبية بصفة غير قانونية، ويتاجرون بها في الأسواق الشعبية.
مصدر رزق
لا تخلو منطقة في تونس، تقريبا، من وجود العقارب، لأنّها تجد طريقها للتأقلم مع البيئات المختلفة، ولكنها تعيش بكثرة في البيئة الحارة والجافة.
وتنشط العقارب ليلًا حيث تقضي فترة النهار مختبئة تحت الصخور أو في الشقوق وفجوات الأشجار، لتجنّب أشعة الشمس والحرارة المرتفعة.
بحسب أحمد المحروق، أحد متساكني منطقة مطماطة بمحافظة قابس بالجنوب التونسي، فإنّ وجود الزواحف السامة خصوصا العقارب، أمر اعتيادي نظرا للظروف الطبيعية والمناخية بهذه المناطق، ويقول ممازحا في تصريح للمشهد، "إنه لا يوجد أحد لم يتعرض على الأقل مرتين للدغة العقرب في حياته".
وابتدع سكان المناطق الصحراوية من وفرة هذا النوع من الحشرات، مِهنًا ونشاطات تعود عليهم بالربح المالي.
وتُستعمل العقارب وأنواع أخرى من الزواحف، في أغراض مختلفة، مثل بيعها لمراكز البحوث والتطوير، واستخدامها للتداوي الرعواني، أو ما يمكن أن يطلق عليه "الطب البديل"، كما يعتمدها آخرون في السحر والشعوذة، أو لصناعة التذكارات والقطع الفنية التي تباع للسياح، من خلال تجفيفها وتحنيطها، وأيضا في إحياء العروض البهلوانية الخطيرة، مثل أكل العقارب أو المشي عليها.
وبحسب حسّان الجريدي، شاب يقطن بمدينة توزر، فإنّ العقارب المتمركزة بالجنوب التونسي، مثال توزر وقبلي، وتطاوين ومدنين وغيرها من محافظات الجنوب الصحراوية، والتي تسجل أعلى درجات الحرارة في البلاد، تتّسم بصفات خاصة يجعلها عالية الطلب، مثل السمّية الشديدة واللون الأصفر المميّز، ومهارات التخفي الفريدة، وهو ما يجعلها محطّ أنظار الصيادين، ودافعا للمخاطرة بحياتهم مقابل الحصول عليها، وفق ما أفاد به للمشهد.
صيد جريء
يشرح علي الجعايدي (اسم مستعار)، صائد ومروّض زواحف سامة بالجنوب، طريقة صيد العقارب، مبيّنا أنّ أفضل وقت لصيد العقارب يكون بعد هطول المطر، ويُفّضل أن تكون في فصل الشتاء، إذ تخرج هذه الكائنات بحثًا عن الماء والجو الرطب، حيث تصبح عملية التقاطها أسهل، على عكس فصل الصيف الذي يتطلب العثور عليها، الحفر والتتبّع.
ويضيف المتحدث في تصريحه للمشهد، "أنّ نشاط صيد العقارب شديد الخطورة، يتطلب الحذر الشديد والربح المادي الذي أجنيه من خلالها، يوازي خطورتها ويعوّض الأتعاب".
ويشّدد الجعايدي على أنه يستخدم ملاقط وعبوّات خاصة، ويلبس أحذية قوية وطويلة للتوقّي من اللدغات المفاجئة، خصوصا أنه غالبا ما يخرج للصيد في الليل متسلّحا بمصباح كاشف خاص.
ومثل علي يعمل الكثيرون في صيد العقارب، واحترفها الرجال من دون النساء، لتصبح مصدر دخلهم الوحيد، رغم أنها ممارسة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب فرص العمل وشحّ الموارد.
وكشفت أرقام رسمية عن تسجيل 6832 إصابة بلدغات عقارب خلال العام الماضي، أغلب الإصابات سُجلت في جهات ريف وسط البلاد وجنوبها، وفي المناطق الصحراوية، وكانت غالبية الحالات لأطفال.
هواية أم استغلال؟
كشفت تقارير محلية ومقاطع مصورة عن ممارسة هذا النشاط الشاق والمحفوف بالمخاطر، من قبل الأطفال بمناطق الجنوب.
وتُعتبر ظاهرة صيد الأطفال للعقارب خلال العطلة المدرسية الصيفية، أمرا عاديا ومتوارثا لا يثير حفيظة العائلات. ويُقبل الأطفال على اصطيادها وبيعها إلى السماسرة، الذين يقدمونها بدورهم إلى المختبرات العلمية.
ويستغلّ الصغار تلك الهواية في تأمين مصروفهم اليومي، أو شراء الكتب المدرسية عند العودة المدرسية، لكن بالمقابل يكونون عرضة للسعات العقارب التي تكلّفت حياتهم.
وكانت ريم الخذيري رئيسة المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط قد دعت إلى السيطرة على هذه الظاهرة، مطالبة السلطات المحلية والجهوية والوطنية، بالتدخل الفوري ومنع هذا النشاط القاتل والإجرام المرتكَب في حق أطفال تونس.
كما طلبت من العائلات، منع أطفالها من ممارسة هذا العمل، وعدم استغلال أبنائهم وتوفير الرعاية الكاملة لهم دون تعريضهم للمخاطر وفق نص البيان.
ويندّد السيد معز الشريف رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل في تصريح خاص لمنصة المشهد، بظاهرة عمالة الأطفال خصوصا في هذا المجال الخطير، مبيّنا أنها تندرج تحت تهمة الاستغلال الاقتصادي للأطفال.
ويقول المتحدث، "إنها نتيجة ثقافة مجتمع لا ترفض عمالة الأطفال"، معتبرا أنّ التعامل الاقتصادي والشراء والبيع، وتوظيف الأطفال، هو استغلال اقتصادي، وعدم الإشعار به يُعتبر تملّصًا من المسؤولية.
وتنصّ المادة 58 من القانون التونسي، على أن «يُحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم خمس عشرة سنة، ومع ذلك يجوز تدريبهم متى بلغ سنهم أربع عشرة سنة، بما لا يعوّقهم عن مواصلة التعليم.
ويقرّ الفصل 58 من مجلة الشغل، على أنه: "لا يجوز أن يقل عمر الشخص عن ثمانية عشر عاما، وهو السنّ الأدنى للقبول في أيّ نوع من أنواع الأعمال، التي يمكن بحكم طبيعتها أو الظروف التي يقع القيام بها، أن تعرّض صحة أو سلامة أو أخلاق الأطفال للخطر.
يعرّض استخدام الأطفال الذين هم دون السن القانونية المؤجر، للعقوبة الجزائية التي تتضاعف في صورة العود.