رصاصة نائل، ابن السبعة عشر عاما، أشعلت فرنسا لأيام متتالية، وحوّلت عاصمتها باريس والضواحي "الشعبية" و"البورجوازيّة"، إلى ساحة حرب، تسودها الاشتباكات والحرائق وأعمال النهب والسلب، والاعتداءات على الأملاك العاّمة والخاصة من كلّ حدب وصوب.
وفيما لمسنا تراجعا ملموسا للعنف في الساعات الماضية، ووُصفت ليلة الاثنين/الثلاثاء، بأنها هادئة نسبيّا، فإنّ خمس ليالٍ كانت كفيلة بإحداث شرخ في الشارع الفرنسيّ، بين متفهّم لتصرّف الشرطي (فاقت حصيلة التبرعات له مليون يورو)، ورافض لقتل المراهق، وبين مؤيّد لردود فعل الشارع"الطبيعية" ورافض للتصرفات "الهمجية" التي سببت أضرارا تقدّر بمليار يورو.
أصوات من الشارع
منصّة "المشهد" جالت في شوارع باريس، التي عادت الحياة فيها إلى طبيعتها نسبيّا، في النهار، مع انتشار أمني مكثّف بدءا من الساعة الثامنة مساءً، وجسّت نبض الشارع الذي أبدى بمعظمه تعاطفه مع الشاب نائل، الذي خسر حياته بطريقة "سخيفة" على حدّ تعبيرهم، وفي الوقت نفسه ترفض الغالبية ردود الفعل التي تطال الأملاك العامّة والخاصة، التي لا علاقة لها بالحادث.
(أليس 28 عاما فرنسيّة - باريسية)، (جوانّا 28 عاما - فرنسيّة تعيش في الخارج): "ما حصل مع نائل ليس عادلا، لا يمكن للشرطي أن يقتل شخصا فقط لأنه لم يمتثل لأوامره. ما حصل يدلّ على تعصّب بعض رجال الشرطة ضدّ المهاجرين، وكون الضحية من أصول عربية، ساهم في قتله لسوء الحظّ، فلو كان نائل فرنسيّا لما كان لاقى المصير نفسه. هناك عنصرية وانحياز في صفوف الشرطة يجب التخلص منهما".
(كارولين 20 عاما - فرنسيّة): "نعيش في منطقة كاين، في النورماندي، أتينا لتمضية أسبوع في باريس. الحقيقة نرى أنّ الوضع غير مطمئن، العاصمة باريس مقلقة خصوصا في الليل، لم نتجرأ على الخروج ليلا. ما حصل مع المراهق نائل خطأ ارتكبه الشرطي، وهذا أمر واضح، لكن أن يقوم البعض بردود فعل تكسير واعتداءات على الأملاك، فهذا أمر غير مقبول".
(أندريا 38 عاماً سائحة - رومانية): "هناك بعض الأماكن الخطرة في باريس، وهذا ليس بجديد، فأنا آتي إليها دوريا لزيارة والدي، وألمس أنّ الوضع العام فيها لا يطمئن، بل يتردى كما ألاحظ في كل مرّة تطأ قدماي أرضها".
إيما (22 عاما - فرنسيّة): "ما حصل من أعمال شغب أمر "سخيف وهمجيّ " فلا شيء يبرر التكسير والتعدّي على الأملاك العامة والخاصة، مع أنّ الشرطي أخطأ في قتل الشاب نائل، أرى أنّ ردود الفعل مبالغ فيها".
ميكاييل (18 عاما - فرنسيّ): "ما حصل مع نائل بائس، ومن الواضح أنّ الشرطيّ أراد قتله. وأعمال العنف ردّة فعل طبيعية، ولن تهدأ كليّا إلا إذا أخذت العدالة مجراها، وعلى رجال الشرطة الكفّ عن قتل الناس من دون أسباب حقيقية".
حليم (28 عاما لبناني - فرنسيّ): "ردود الفعل على مقتل الشاب نائل كانت عفوية وقوية من دون التفكير بالعواقب، فوقع الحادثة كان صادما ونتج عنه تلك التصرفات المسيئة، لكنّ الأمر تحت السيطرة على ما أظنّ، والأمور ستعود إلى طبيعتها بعد "فورة الغضب".
الأصوات اليمينية ترتفع
في سياق الآراء المتضاربة، تقول الكاتبة والمحللة الفرنسية آكسيل تيلييه من "معهد من أجل العدالة"، إن "لم يكن نائل، كما تصفه عائلته، "ملاكًا صغيرًا". ففي سن السابعة عشرة، كان قد أوقف 5 مرات لرفضه الامتثال لطلب شرطة السير منه التوقف. وكان من المقرر أن يمثل أمام محكمة الأطفال في سبتمبر. وعموما أوقف 12 مرة بسبب جنح مختلفة".
وتبدي تيلييه في رسالة مفتوحة خيبتها من العدالة الفرنسية التي "لا تعاقب الخارجين عن القانون بسبب ضغوط سياسية خصوصا من اليسار الراديكالي". وتختم بالقول: "موت هذا الشاب ما هو إلا ذريعة، والشرارة التي تشعل التعطش للعنف، وكراهية فرنسا ورفض ثقافتنا من كل هؤلاء الجانحين".
من جهته، أعرب عضو سابق في المكتب السياسي للجبهة الوطنية فريد سماحي، عن غضبه من "كلّ ما حصل ويحصل في الآونة الأخيرة في فرنسا من جانب "الأميّين، قطّاع الطريق والرّعاع"، الذين لا يمتّون للإسلام بصلة، ولا يقدّرون البلد الذي احتضنهم والفرصة التي أُعطيت لهم للعيش في فرنسا".
وأضاف: "فرنسا ليست بخير ومشاهد "الانتفاضة" خير دليل على ذلك، الحقيقة أنّ على الدولة أن تنزع الجنسية الفرنسية عن كل مواطن مزدوج الجنسية يخالف القانون، بالشكل الذي رأيناه، الوضع غير مقبول، وما نخشاه ونحذّر منه منذ أعوام سيحصل عاجلا أم آجلا".
وأخيرا السؤال، الذي يطرح نفسه في خضمّ المعركة التي بدأت، وتأججت قبل أن تهدأ نسبيّا، هل ستعالَج الأسباب العميقة، أم إنّ فرنسا ستكون على موعد مع حادث آخر يُشعل الأوضاع من جديد؟ عندها سيكون الخوف الأكبر أن تحصل مواجهات ليس بين الشرطة و"مشاغبين"، بل بين فريقين من الشارع، كما يتخوّف البعض… فالتربة خصبة والنفوس محتقنة والغضب عارم، والقلق يتصاعد من أن يكون الآتي أعظم.