إعلان إيران تجميد المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة نتيجة شروط الأخيرة "غير المعقولة" على حد تعبير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يؤشر إلى "وضع معقد" يعانيه النظام في طهران، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، موضحين أنّ المسألة تتخطى قضايا الملف النووي وتخصيب اليورانيوم إلى برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي.
ورقة ضغط
وبحسب المصادر، فإنّ طهران تقع تحت وطأة جملة تحولات تفرض تحديات وصعوبات جمّة، خصوصًا مع تراجع نفوذ ما يعرف بـ"محور المقاومة"، وتدهور اقتصادي متفاقم بفعل العقوبات، وكذلك احتمال تراجع الدعم الروسي والصيني.
من ثم، تستخدم طهران التجميد كـ"ورقة ضغط" لتحسين شروط التفاوض. غير أنّ هذه السياسة التصعيدية تصطدم بموقف إسرائيلي خشن، إلى جانب مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لا يستبعد الخيار العسكري، بما يضاعف مخاوف طهران من مواجهة شاملة.
وخاضت طهران وواشنطن 5 جولات من المحادثات النووية غير المباشرة، انتهت بحرب الـ12 يومًا، التي استهدف خلالها واشنطن وتل أبيب 3 مواقع نووية في يونيو الماضي.
وأمس نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن عراقجي قوله: "تم تعليق المحادثات التي كانت جارية مع الولايات المتحدة، وكذلك مفاوضات نيويورك، ولم تمض قدمًا بسبب المطالب الأميركية المبالغ فيها".
الاعتراف بإسرائيل
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يوضح المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، أنّه برغم رفض النظام الإيراني التفاوض مع الولايات المتحدة في ظل الشروط التي وضعتها إدارة ترامب، وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل الذي تبدو فرص حدوثه بعيدة وغير مرجحة، فإنّ الضغوط المتزايدة قد تدفع طهران في نهاية المطاف إلى التفاوض حول البرنامج النووي أو الصاروخي لكنّها لن تعترف بإسرائيل.
هذه الملفات الثلاثة كانت ضمن المطالب الأساسية التي وردت في رسالة ترامب إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، لكن بعد "إضعاف النظام الإيراني" و"فقدانه لعدد من أوراقه التفاوضية" في المنطقة، فضلا عن تراجع سيطرته على أجوائه وتعرّض منشآته النووية للتدمير الجزئي، أصبحت هذه الأوراق "هشّة للغاية".
ويردف قائلا إن إدارة ترامب أضافت لاحقًا شرطًا جديدًا "أكثر تعجيزًا"، هو الاعتراف بإسرائيل، وهي تدرك تمامًا أنّ إيران لن توافق عليه، لكنه يُستخدم بوصفه "أداة ضغط قصوى لإحراج النظام وإظهاره في موقع الضعف".
التحشيد العسكري الواسع في المنطقة، إلى جانب فقدان النظام الإيراني لأذرعه السياسية والعسكرية الخارجية والإقليمية، يشير إلى أن "مرحلة التغيير" قد بدأت فعليًا، وفق المحلل السياسي الإيراني، لافتًا إلى أنّ خيار "إصلاح النظام" لم يعد مطروحًا، فـ"النظام الإيراني بطبيعته غير قابل للإصلاح".
من هنا، تتجه التطورات نحو أحد مسارين:
- تغيير النظام من الداخل عبر تصاعد الاحتجاجات الشعبية بفعل الأزمة الاقتصادية.
- تغيير مدعوم خارجيًا من خلال ضربات محددة أو دعم انتفاضات داخلية، خصوصًا مع احتمال وجود دعم جوي غربي أو إسرائيلي يستهدف القوات الأمنية في حال باشرت بدورها التقليدي في قمع الاحتجاجات.
كما يرجح عبد الرحمن عدم انقطاع قنوات الاتصال تمامًا بين طهران وواشنطن، رغم موقف الأولى العلني بـ"التجميد"، لأنّها تدرك تبعات القطيعة التامة أو الجمود النهائي، مما يجعل الضربة الأميركية "أكثر واقعية" و"أقرب زمنًا".
وضع معقد
يتفق مع الرأي ذاته، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) الدكتور محمود حمدي أبو القاسم، والذي عزا موقف النظام الإيراني إلى الطبيعة الأيدولوجية التي تتحكم في سياساته الخارجية، موضحا لـ"المشهد" أنّ "شرعية النظام السياسي قامت على عدم التفريط في المكتسبات والحقوق النووية، الأمر الذي يضطره إلى عدم القبول بشروط تبدو إهدارًا لمشروع كلف الإيرانيين أعوامًا من العقوبات وضيّع عليهم العديد من الفرص والموارد".
ويقول إنّ المطروح من شروط ليس فقط التخلي عن البرنامج النووي والوصول إلى صفر تخصيب، بل هناك شروط تتعلق بالصواريخ الباليستية التي تعد "قوة إيران الضاربة وسلاحها الرادع كما ظهر في حربها ضد إسرائيل".
وليس خافيًّا أنّ هناك شروطًا أخرى تتعلق بسلوك إيران الإقليمي، وعلاقاتها مع ما يعرف بـ"محور المقاومة"، مما يؤزم موقفها، وفق المصدر ذاته. ويردف:
- من وجهة نظر النظام في طهران، فإنّه لن يتبقى له أي دور وسيتم تقويضه محليًّا وخارجيًّا في حال قبوله باتفاق ينهي برنامجه النووي كما برنامجه الصاروخي انتهاءً بدوره الإقليمي".
الإشكالية أن النظام الإيراني يواجه "وضعًا معقدًا" ومرحلة "دقيقة وحساسة"، بعد أن فقد فاعلية "وكلائه الإقليميين" وتراجع نفوذهم، وخسر عقيدة "الدفاع الأمامي" التي شكلت أساس إستراتيجيته الإقليمية.
ويزداد الموقف صعوبة في ظل وجود نظام إسرائيلي يبدو مستعدًا للذهاب إلى أبعد مما هو متوقع، إلى جانب رئيس أميركي يتبنى مقاربة هجومية ويؤمن بـ"فعل القوة" كوسيلة رئيسية لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، بحسب حمدي أبو القاسم.
هذا بالإضافة إلى تدهور الاقتصاد الداخلي نتيجة العقوبات التي تزايد تأثيرها بعد تفعيل العقوبات الدولية بناءً على طلب الترويكا الأوروبية مؤخرًا، وفي الطريق مزيد من العقوبات ومساعٍ لحرمان إيران من عوائد بيع النفط والتضييق على تجارتها، بحسب الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، الذي يشير إلى احتمال عدم التزام روسيا والصين باتفاقياتهما الإستراتيجية مع إيران، وهو ما يزيد من عزلة النظام الإيراني ويحدّ من قدرته على مواصلة سياساته التي يروّج لها تحت شعار "الصبر الإستراتيجي" أو "اقتصاد المقاومة".
بالمحصلة، لا يعني تجميد المفاوضات من جانب إيران أنها قررت الابتعاد نهائيًا عن المسار الدبلوماسي، بل تستخدمه كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض. ويُعتقد أن طهران ما زالت تملك تكتيكًا يرتبط بسياسة "التعتيم النووي"، خصوصًا في ما يتعلق بمصير اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وسط غياب يقين أميركي وإسرائيلي بشأن ما إذا كان قد تم تدميره أم جرى نقله إلى موقع آمن، بحسب المصدر ذاته.
فيما تعد هذه الورقة الوحيدة المتبقية لدى إيران إلى جانب قدرتها المحدودة على تحمّل العقوبات الراهنة، وهي قدرة "مشكوك" فيها، حيث إن طهران لن تستطيع الصمود طويلًا كما هو الحال قبل اتفاق 2015.
ويختتم الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) حديثه قائلًا إنّ الوضع بالكلية يؤشر إلى سياسة "حافة الهاوية" التي تجيدها إيران، لكنّها هذه المرة تصطدم بـ"عقيدة إسرائيلية" مغايرة، ورغبة في تغيير شكل المنطقة ككل، وفي مواجهة رئيس أميركي قد لا يمانع في استخدام القوة العسكرية لتغيير النظام في إيران، وهو أكثر ما يخشاه "الولي الفقيه".