hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 القوة بدلا من القانون.. كيف كسر ترامب قواعد النظام الدولي؟

ترامب اعتبر أن الرئيس الفنزويلي متهم بتجارة المخدرات (رويترز(
ترامب اعتبر أن الرئيس الفنزويلي متهم بتجارة المخدرات (رويترز(
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • اعتقال مادورو يفتح نقاشا حول مستقبل النظام الدولي.
  • خبراء في القانون الدولي يصفون الهجوم الأميركي بأنه جريمة عدوان.
  • المومني: العالم يعيش مرحلة تحول تحكمها الواقعية السياسية أكثر من القيم والمعايير.
  • السبايلة: ما يُسمى بالخطوط الحمراء لم تكن يومًا عائقًا أمام الولايات المتحدة.

فتحت العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الدولي: هل دشن الرئيس الأميركي مرحلة جديدة عنوانها "اعتقال الخصوم"؟ وهل تآكلت الخطوط الحمراء التي طالما حكمت العلاقات بين القوى الكبرى؟

أعلن الرئيس دونالد ترامب صباح السبت، أنّ القوات الأميركية نفذت "ضربة واسعة النطاق" ضد فنزويلا، انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، قبل أن توجه لهما في نيويورك تهم تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات.

ووصف ترامب مادورو بأنه يقود "منظمة إرهابية للمخدرات"، إلا أنّ العملية أثارت موجة من التشكيك في قانونيتها حتى بين بعض حلفاء واشنطن.

وبحسب خبراء، يبدو أنّ الشرعية السياسية باتت تتراجع كدرع يحمي قادة الدول، فيما تتعرض مظلة القانون والأخلاق لاهتزاز غير مسبوق، ما يثير الشكوك حول ما إذا كانت القواعد ما زالت تحكم العلاقات الدولية.

"ضربة واسعة النطاق"

في مطلع نوفمبر، أكدت رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، أنّ أيّ عمليات برية في فنزويلا ستتطلب موافقة الكونغرس، وهو ما كرره مسؤولون في الإدارة الأميركية لاحقًا خلال لقاءات خاصة مع أعضاء المجلس.

لكن بعد أسابيع قليلة، نفذت واشنطن ما وصفه ترامب بـ"ضربة واسعة النطاق" انتهت باعتقال مادورو وزوجته من دون تفويض تشريعي.

ورغم أنّ ترامب شدد على أنّ العملية تندرج ضمن سلطاته الدستورية، فإنها أثارت جدلا واسعا حول قانونيتها، حيث دفع ذلك شخصيات بارزة مثل السيناتور ليندسي غراهام إلى المطالبة بـ"وضوح" في الرسائل الرسمية.  

خرق لميثاق الأمم المتحدة

وإزاء الهزة السياسية التي عاشها العالم أمس السبت، أكد خبراء بارزون في القانون الدولي، أنّ الهجوم الأميركي يتعارض مع المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد الدول الأخرى وتلزم باحترام سيادتها.

ووصف المحامي الدولي جيفري روبرتسون ما جرى بأنه "جريمة عدوان"، وهي الجريمة التي اعتبرتها محكمة نورمبرغ "الأخطر على الإطلاق".

فيما رأت أستاذة القانون الدولي إلفيرا دومينغيز-ريدوندو، أنّ العملية تمثل "استخداما غير مشروع للقوة" بينما شددت الباحثة سوزان برو، على أنّ أيّ عمل عسكري لا يكون قانونيًا إلا بقرار من مجلس الأمن أو في حالة الدفاع عن النفس، وهو ما لم يتوافر في الحالة الفنزويلية.

ويُتوقع أن تدفع واشنطن بأنّ تدخلها جاء في إطار الدفاع عن النفس ضد ما تسميه "منظمة المخدرات الإرهابية" المرتبطة بمادورو، لكنّ خبراء القانون الدولي يرون أنّ هذا الادعاء يفتقر إلى أساس واقعي، حيث لم يثبت وجود تهديد مباشر للولايات المتحدة من الجيش الفنزويلي، أو من شبكات تهريب المخدرات المزعومة.

ووصف روبرتسون مجلس الأمن الدولي بأنه "هيئة عديمة القيمة" في ظل قدرة الدول الكبرى على تعطيل قراراته، فيما اعتبرت دومينغيز-ريدوندو أنّ العقوبات لن تقرّ طالما بقي الفيتو الأميركي قائمًا.

تداعيات دولية خطيرة

وحذر خبراء من أنّ غياب أيّ محاسبة قد يشجع دولًا أخرى على انتهاك القانون الدولي.

وأشار روبرتسون إلى أنّ الصين قد ترى في هذه السابقة فرصة للتحرك ضد تايوان، كما أنّ المجلس الأممي يواجه تآكلًا في دوره كآلية لمنع الحروب الكبرى، وهو ما يعيد إلى الأذهان التدخل الأميركي في العراق عام 2003 من دون تفويض دولي.

ملاحقة الخصوم 

بدوره، قال مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور حسن المومني، إنّ اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي ليس سابقة فريدة، بل يذكّر بتجارب سابقة مثل اعتقال الجنرال البنمي مانويل نورييغا، حيث لجأت واشنطن في أكثر من مناسبة إلى استخدام القوة العسكرية لتصفية خصومها السياسيين.

وأشار إلى أنّ تصريحات ترامب حول مادورو، استحضرت أيضًا عمليات مشابهة، مثل اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني واعتقال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ورئيس بنما الأسبق مانويل نورييغا.

وأوضح المومني في حديثه لمنصة "المشهد"، أنّ هذه السابقة قد تُستغل من قبل دول أخرى لتبرير ممارسات مشابهة، مستشهدًا بما يحدث في أوكرانيا، حيث يعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ فولوديمير زيلينسكي "غير شرعي"، أو في تعامل الصين مع تايوان، حيث تصنّف رئيسة الجزيرة ضمن دعاة الانفصال، وهو ما يعدّ محرمًا في نظر بكين.

وأضاف، أنّ مثل هذه الممارسات تفتح الباب أمام انتقال العالم من مرحلة "عزل الخصوم"، إلى مرحلة "ملاحقتهم شخصيًا".

ولفت المومني إلى أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا، حيث سبق أن قامت تركيا عام 1999 بملاحقة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان واختطافه، كما مارست إيران وإسرائيل عمليات مشابهة ضد معارضين وقادة فلسطينيين في الخارج.

وشدد على أنّ هذه الممارسات تبقى بعيدة عن أيّ إطار قانوني دولي، وتشكل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول.

تهديد لمظلة العقاب

وفي معرض حديثه عن مستقبل النظام الدولي، أكد المومني أنّ مظلة العقاب القانوني والأخلاقي باتت مهددة، وأنّ العالم يعيش مرحلة تحوّل تحكمها الواقعية السياسية أكثر من القيم والمعايير.

وأوضح أنّ هذه الواقعية تتجلى في حروب وانتهاكات للسيادة، مثل ما حدث في أوكرانيا أو في غزة حيث بدا القانون الدولي عاجزًا عن فرض قواعده.

وشدد المومني على أنّ السياسة الخارجية الأميركية كما عبّر عنها ترامب، تقوم على مبدأ أنّ المصالح تُعرف بالقوة، وأنّ القوة هي التي تمنح الشرعية في نهاية المطاف.

وأضاف، "هذا ما يجعل القانون الدولي أحد أبرز ضحايا هذه التحولات، في ظل تراجع دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتقلص مساحة ما يُعرف بالسياق المعياري الأخلاقي في العلاقات الدولية".

مخاوف على تايوان وأوكرانيا

إلى ذلك، أكد المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة، أنّ ما يُسمى بالخطوط الحمراء لم تكن يومًا عائقًا أمام الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنّ واشنطن اعتادت اللجوء إلى خطوات مشابهة في محطات سابقة، لكنّ عهد الرئيس ترامب أظهرها بشكل أكثر وضوحًا وجرأة، حيث تُستخدم كأداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي.

وأضاف أنّ العالم بات يتعامل مع رئيس يفرض رؤيته بشكل مباشر، وهو ما انعكس في تصريحات أركان الإدارة الأميركية عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حين شددوا على أنّ ترامب "إذا قال فعل".

وفي ما يتعلق بالقواعد الدولية، أوضح السبايلة في تصريحات لمنصة "المشهد"، أنها ستظل قائمة شكليًا، لكنها تُستغل وتُخضع للرؤى السياسية والمصالح.

وأشار إلى أنّ واشنطن لم تتحرك تجاه فنزويلا، إلا بعد أن هيأت الأرضية عبر اتهامات بتهريب المخدرات، لتبرير خطواتها ضمن إطار قانوني ظاهري.

وخلُص إلى أنّ القواعد موجودة لكنها تُستخدم كغطاء سياسي أكثر من كونها ضوابط ملزمة للعلاقات الدولية.