hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 فيديو - وثائقي يكشف أسرار "إمبراطورية الكبتاغون".. إرث الأسد الذي غزا العالم

فيديو - وثائقي يكشف أسرار "إمبراطورية الكبتاغون".. إرث الأسد الذي غزا العالم
play
وثائقي لـ"المشهد" يكشف كيف تحولت سوريا إلى مركز ضخم لإنتاج وتهريب الكبتاغون
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • منصة "المشهد" تفتح الصندوق الأسود لـ"إمبراطورية الكبتاغون" تحت قيادة الأسد.
  • تحقيق يرصد كيف أصبحت سوريا مصنعا عالميا لحبة الكبتاغون في ظل الأسد.
  • أرباح الشبيحة المقرّبين من الأسد وصلت إلى نحو 2 مليار دولار من تجارة الكبتاغون.
  • عمليات تهريب إلى أوروبا عبر مهربين مرتبطين بالمافيا وبـ"حزب الله".

بالونات تتساقط من السماء، وطائرات مسيّرة تخترق الحدود، وشاحنات "ترانزيت" محمّلة بحبوب الكبتاغون.. إنها أحدث الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المخدرات السورية، لتصدير منتجها المشبوه، في مشهد لم يعد مفاجئا، بل صار روتينا أسبوعيا تعلنه سلطات الدول المجاورة مثل الأردن ولبنان والعراق.

هذه الحبوب ليست مجرّد مواد مخدرة، بل هي في الواقع مفاتيح لأحد أخطر الملفات الأمنية والاقتصادية في المنطقة: ملف الكبتاغون، أو ما يُعرف بـ"إمبراطورية الكبتاغون" التي نمت وترعرعت على أرض سوريا، في ظل حماية وتواطؤ رسمي، حتى تحولت إلى مصدر تمويل رئيسي للشبكات المرتبطة بنظام الأسد، وإلى أداة غسيل أموال تتقاطع مصالحها مع إيران و"حزب الله"، وتتداخل آثارها مع أمن دول الجوار من الأردن ولبنان، إلى العراق ودول الخليج، وحتى أوروبا.


تجارة عابرة للحدود

في الأسبوع الأول من يوليو الماضي، أحبطت القوات المسلحة الأردنية محاولة تهريب مواد مخدرة على الحدود مع سوريا، بواسطة "بالونات" مزودة بأجهزة توجيه عن بعد.

وقال مصدر عسكري مسؤول إن قوات حرس الحدود في المنطقة العسكرية الشرقية، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وإدارة مكافحة المخدرات، رصدت مجموعة بالونات داخل منطقة المسؤولية حيث تم اعتراضها وإسقاطها مع حمولتها داخل الأراضي الأردنية.

تلك الشحنة التي أسقطت عبر البالونات، لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل إن السجلات الرسمية الأردنية تشير إلى ضبط أكثر من 20 شحنة كبرى في النصف الأول من العام الجاري.

في لبنان، لم يختلف الوضع كثيرا خلال النصف الأول من العام الجاري، إذ تكرر إيقاف الشحنات سواء على الحدود بين لبنان وسوريا، أو إيقاف الشحنات في دول أبعد كثيرا بعد عبورها الأراضي اللبناني بكميات ضخمة من الحبوب المخدرة.

وعلى الرغم من ارتفاع عدد الشحنات الموقوفة، على حدود سوريا المختلفة، إلا أن مقارنتها بما كانت عليه الأمور في الأعوام السابقة، يكشف تراجعا كبيرا، يعود بالأساس إلى سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.

فوفقًا للتقارير الدولية، بما في ذلك ما أصدره معهد "نيولاينز" والبيانات الصادرة عن الحكومة البريطانية، فإن سوريا كانت مسؤولة عن إنتاج ما يقارب 80% من الكبتاغون العالمي، خلال عام 2024.

كما أنه بين عامين 2020 و2023 تطور الإنتاج وارتفاع بقرابة 54% لتصل قيمة التجارة قرابة 10 مليارات دولار.

وعلى الرغم من ضخامة الأرقام، فإن التراجع في عدد الضبطيات يثير أسئلة جديدة حول ما تبقى من تلك الإمبراطورية.

في هذا التحقيق، تفتح منصة "المشهد" الصندوق الأسود لهذه الإمبراطورية، نعود إلى بداياتها تحت حكم بشار الأسد، ونرصد كيف أصبحت سوريا مصنعا عالميا لهذه الحبة الملعونة، قبل أن تنتقل شبكتها إلى الإقليم والعالم، مدفوعة بالربح، ومحصّنة بالسياسة، ومحروسة بالسلاح، وكيف تثير بقايا تلك التجارة قلقا عالميا، تقابله جهود داخلية وإقليمية حثيثة تسعى إلى السيطرة على ما تبقى من فلول "كارتل النظام السابق".

ما هي مادة الكبتاغون؟

الكبتاغون ليس سوى الاسم التجاري لمركّب صناعي يُدعى فينيثيلين (Fenethylline)، طُوّر في ستينيات القرن الماضي لعلاج اضطرابات مثل فرط النشاط والاكتئاب ADHD، بحسب "مايو كلينيك".

كان يُنظر إليه حينها كدواء ثوري، لكنه ما لبث أن تحوّل إلى مخدر محظور بعد أن تبيّن مدى قوته الإدمانية وتأثيراته الجانبية الخطيرة.

يُعرف الكبتاغون بكونه عقارا منشطا يُصنّع غالبا على شكل حبوب بيضاء أو مائلة إلى الاصفرار، وقد تحمل رموزا محفورة كالهلال أو النجمة.

يمنح متعاطيه شعورا زائفا بالنشاط والثقة، ويُضعف الإحساس بالتعب أو الجوع، مما يجعله مغرياً في بيئات النزاع أو بين فئات تبحث عن الهروب من الواقع، بحسب التقارير الطبية.

لكن هذا التأثير لا يخلو من المخاطر، إذ قد يؤدي إلى حالة من العدوانية أو الانفصال عن الإدراك الطبيعي. وتُعدّ الآثار الجانبية للكبتاغون مدمّرة على المدى القريب والبعيد، وتشمل:

  • اضطرابات حادة في النوم.
  • تسارع ضربات القلب.
  • تشوش في الإدراك.
  • اكتئاب شديد.

ومع تكرار الاستخدام، تتطوّر حالات من الاعتماد النفسي والجسدي قد تنتهي بالإدمان.

سوريا.. نشأة الكبتاغون

قبل عام 2011، كانت صناعة المخدرات في سوريا محدودة النطاق، ولكن مع اندلاع الحرب الأهلية وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وجدت هذه التجارة بيئة خصبة للنمو والتوسع.

غياب السيطرة المركزية على العديد من المناطق، وانهيار الاقتصاد الرسمي، والعقوبات الدولية المفروضة على النظام السوري، أدوا إلى البحث عن مصادر دخل بديلة وغير مشروعة. وفي هذا السياق، برز الكبتاغون كمورد مالي حيوي، قادر على توفير مليارات الدولارات سنوياً.

النجاح الباهر لتجارة الكبتاغون في سوريا لم يكن ليتحقق لولا وجود شبكة معقدة ومتماسكة من الدعم والحماية. ولفهم دور سوريا ونظام بشار الأسد في تجارة الكبتاغون والتهريب غير المشروع عموماً، لا بد من العودة إلى بدايات الحرب الأهلية السورية، حيث أدى انهيار الدولة وتفكك السيطرة على الحدود.

من هنا يشرح كبير الباحثين السابق في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأميركية إيمانويل أوتولينغي، لمنصة "المشهد" أين بدأت هذه التجارة وكيف تم دعمها وكيف استمرت في الصعود حتى أصبحت إمبراطورية تدر للنظام السوري السابق مليارات الدولارات.


يقول أوتولينغي: "مع اشتداد الحرب، سعت الفصائل المتناحرة إلى تمويل نفسها عبر هذه الأنشطة غير القانونية، لتأمين الموارد والأسلحة. وهكذا، نشأت من فوضى الحرب فرص هائلة لتجارة غير مشروعة مزدهرة. يُضاف إلى ذلك أن سوريا كانت لا تزال تحتفظ ببنية تحتية صناعية دوائية، والكبتاغون، تحديداً، هو دواء يسهل تصنيعه باستخدام مواد أولية قانونية ومتوفرة في الأسواق العالمية".

وكانت التكنولوجيا المطلوبة للإنتاج متوفرة مسبقاً، ما ساعد على قيام شبكة إنتاج واسعة لهذه المادة. ومع تزايد الأرباح الناتجة عن الكبتاغون، لم يمر وقت طويل حتى قرر نظام الأسد التورط بشكل مباشر في هذه التجارة، خصوصا مع تصاعد العزلة نتيجة العقوبات وتراجع مصادر التمويل القانونية، بحسب أوتولينغي.

ومع الوقت، انتقلت تجارة الكبتاغون من مجرد معامل بدائية منتشرة في أرجاء سوريا إلى منظومة متكاملة تحت إشراف النظام، الذي تولّى استيراد المواد الأولية وتصنيع الحبوب، ثم نقلها عبر شبكات تهريب قائمة إلى الأسواق، خصوصاً في الخليج والشرق الأوسط.

وفي تلك الفترة، كان إنتاج الكبتاغون ضخماً لدرجة أنه كان يكفي لتغذية أسواق دولية متعددة، وليس فقط الداخل السوري، حيث كانت سوريا تمثل مركز إنتاج إقليمي.

وتشير المعلومات إلى أن نحو 20% من أرباح تجارة الكبتاغون كانت تُدرج ضمن ميزانية الدولة السورية.

تورط نظام الأسد

تقارير محلية وعالمية متعددة، منها تحقيق نسب لصحيفة "دير شبيغل" الألمانية، عن تورط مباشر لأفراد من العائلة الحاكمة، مثل سامر كمال الأسد، ابن عم الرئيس، في إنتاج الكبتاغون، حيث تقع المصانع المرتبطة به في مناطق مثل البصّة جنوب اللاذقية، وتُصدر شحنات ضخمة من موانئ تحت سيطرة الفرقة الرابعة المدرعة، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس بشار الأسد.

وهذا ما يؤكده العميد المتقاعد الدكتور نضال أبو زيد في حديثه مع "المشهد"، مشيراً إلى أن التورط تجاوز مجرد الاستفادة المالية ووصل إلى مستوى التخطيط والتنفيذ المباشر من قبل دوائر السلطة العليا.

يقول أبو زيد "كانت هذه العمليات منظمة ومدعومة من الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، إضافة إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. وما يؤكد ذلك أن الأردن ضبط في عام 2022 أحد المهربين ويدعى عيد الشويعر كان يحمل هوية عسكرية تابعة لوزارة الدفاع السورية، مما يعزز فرضية أن التهريب آنذاك كان يتم بشكل رسمي ومنظم".


لا تقتصر الشبكة على أفراد العائلة، بل تمتد لتشمل وحدات عسكرية وأمنية رئيسية تابعة للنظام. الفرقة الرابعة، المخابرات الجوية، والحرس الجمهوري، جميعها تُتهم بتسهيل إنتاج وتخزين وتصدير الكبتاغون.

كما تضم الشبكة ميليشيات محلية مثل قوات الدفاع الوطني، وكتائب البعث، وسرايا العرين. بالإضافة إلى ذلك، تلعب قوات مسلحة أجنبية حليفة للنظام، مثل الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله"، دوراً في هذه التجارة، سواء من خلال توفير الحماية أو تسهيل عمليات التهريب عبر الحدود الإقليمية.

عمليات التهريب

شاهد عيان يروي لـ"المشهد" كيف كانت تتم عمليات التهريب تحت أعين الحكومة والأمن والسكان. يقول الصحفي السوري محمود عبد اللطيف، من مسقط رأسه في دير الزور، إن تجارة الكبتاغون والمخدرات بشكل عام، كانت موجودة قبل اندلاع الحرب السورية عام 2011، مشيراً إلى أن عائلات في ريف حمص الشرقي من بينها عائلة الفاعور كانت تعتمد في حياتها اليومية على تصنيع وتهريب الكبتاغون.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن أحد الأشخاص الذين عملوا مع عائلة الأسد كشف في عام 2023 أن أرباح الشبيحة المقرّبين من النظام وصلت إلى نحو 2 مليار دولار من تجارة الكبتاغون فقط، خلال فترة سيطرة النظام. وقد تم تصنيع هذه الكميات من قبل تحالف بين عائلة الأسد وشبكات مافيا لبنانية مقربة من "حزب الله".

أين انتشرت معامل الكبتاغون؟

بحسب تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، انتشرت مصانع الكبتاغون في 5 محافظات رئيسية:

أهم مناطق تصنيع الكبتاغون:

  • القلمون عند الحدود السورية اللبنانية.
  • منطقة السبينة وأطراف العاصمة دمشق.
  • دير الزور حيث تواجدت الميليشيات الإيرانية.
  • الساحل السوري حيث انتشرت مجموعات تابعة لعائلة الأسد.
  • معامل صغيرة في محافظة السويداء وحمص عند الحدود مع لبنان.
  • مناطق الشمال السوري الواقعة تحت سيطرة "الجيش الوطني" الموالي لتركيا.

كيف كان يتم التهريب؟

في ما يتعلق بوسائل التهريب، كان يتم استخدام ميناء شمال اللاذقية كنقطة انطلاق رئيسية لتصدير الكبتاغون، خصوصا إلى أوروبا. بعض هذه الشحنات تم اعتراضها من قبل البحرية الإيطالية، وأخرى تم ضبطها في مصر داخل شحنات مواد غذائية. لكن المسار الأهم كان عبر البادية السورية إلى العراق، أو عبر الحدود السورية الأردنية باتجاه دول الخليج العربي، بحسب المرصد.

وكان هناك بعد تجاري وآخر سياسي لهذا التهريب، إذ استخدمت بعض الميليشيات، مثل الميليشيات الإيرانية، تجارة الكبتاغون كسلاح في "حرب ناعمة" تستهدف دول الخليج. كما أن بعض شحنات الكبتاغون كانت تُحمى من قبل عناصر تنظيم "داعش" في البادية السورية، مقابل الحصول على المال والسلاح من الميليشيات.

شاهد عيان يروي لـ"المشهد" كيف كانت تتم عمليات التهريب تحت أعين الحكومة والأمن والسكان. يقول الصحفي السوري محمود عبد اللطيف، من مسقط رأسه في دير الزور، إن عائلات في ريف حمص الشرقي من بينها عائلة الفاعور كانت تعتمد في حياتها اليومية على تصنيع وتهريب الكبتاغون.


وأشار إلى أن هذا النشاط كان معروفا ومتداولا بين سكان محافظة طرطوس الكبيرة، وأن الحرب ساهمت في تفشي تجارة المخدرات وازدياد معدلات الجريمة، خصوصا في ظل تقاسم السيطرة بين النظام السوري والمعارضة آنذاك التي كانت تتمثل في "هيئة تحرير الشام" وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ولفت إلى أن أي شحنة مخدرات كانت تنتقل بين مناطق السيطرة المختلفة، تمرّ عبر معابر برية تخضع لتفاهمات متبادلة بين القوى المتحاربة، وكانت تجارة المخدرات مصدر تمويل ذاتي لجميع الأطراف، بما فيهم نظام بشار الأسد.

وأضاف أن النظام اعتمد على فصائل ممولة من رجال أعمال نافذين، مثل رامي مخلوف الذي كان يمتلك فصيلاً خاصاً به، واستُخدمت شركاته وفقاً لعبد اللطيف كواجهة لتمرير شحنات مخدرات إلى دول مثل مصر، من بينها شحنة حليب "مركمانة".

أين يتم تهريب الكبتاغون؟

  • لبنان
  • الأردن
  • العراق
  • دول الخليج
  • مصر
  • تركيا
  • أوروبا
  • أميركا اللاتينية

وبحسب المرصد السوري، فإن الفرقة الرابعة كانت بمثابة المصنع المركزي للكبتاغون في الأراضي السورية، وتعاونت في عملياتها مع الميليشيات الإيرانية، في حين تولّى عناصر "داعش" تأمين الحماية في بعض المراحل، خصوصاً داخل البادية.

أما التجارة فلم تقتصر على الشرق الأوسط، إذ وُثّقت عمليات تهريب إلى أوروبا عبر مهربين مرتبطين بالمافيا، بعضهم من لبنان ويُعتقد أنهم على صلة بـ"حزب الله". كما وُجدت خطوط تهريب من سوريا إلى مصر، وتركيا، والعراق، إضافة إلى مسارات تؤدي إلى دول أميركا اللاتينية.

أبرز الممولين

وأضاف أن نظام الأسد اعتمد على فصائل ممولة من رجال أعمال نافذين، مثل رامي مخلوف الذي كان يمتلك فصيلاً خاصاً به، واستُخدمت شركاته وفقاً لعبد اللطيف كواجهة لتمرير شحنات مخدرات إلى دول مثل مصر، من بينها شحنة حليب.

وأوضح شاهد العيان أنه لا يمكن توجيه اتهام مباشر لرامي مخلوف من دون وثائق قانونية، لكنه أشار إلى أن نماذج أخرى من رجال الأعمال تورطوا بشكل واضح، مثل محمد عمر الخيتي، البرلماني السابق، الذي كان يرتبط بشخصيات عسكرية من فصائل المعارضة ثم عاد إلى سوريا وبرز اسمه في تجارة الكبتاغون، خصوصا عبر علاقات مباشرة مع شخصيات إيرانية.

وتابع أن هذه التجارة كانت منتشرة أيضاً في مناطق تسيطر عليها المعارضة، بما فيها "هيئة تحرير الشام"، حيث كانت تتم اعتقالات لمتعاطين وتجار مخدرات، كما تم الترويج لمادة تسمى "الكريستال ميث" عبر الفصائل المدعومة من إيران.


وأشار إلى أن الحشيش كان يُزرع في لبنان ويُهرب إلى سوريا، كما سُجلت حالات زراعة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، خصوصا جنوب الحسكة، في محيط الشدادي، حيث أُشير إلى قيادي يدعى "هفال لقمان" يرتبط بجبل قنديل وحزب العمال الكردستاني.

لبنان.. الجار القريب

كان عام 2025 شاهدا على مقاربة جديدة في لبنان، تمثلت في التعامل الصارم مع ملف الكبتاغون بعد تراجع القبضة الأمنية لـ"حزب الله"، إذ شهدت البلاد تحولا نوعيا في مقاربة ملف المخدرات بعد عقود من تحوله إلى منصة رئيسة لـ"الكبتاغون" باتجاه الخليج، تحت حماية منظومة مركبة ضمت النظام السوري السابق، و"حزب الله"، وتواطؤ أطراف داخل الدولة.

وتتشارك سوريا ولبنان حدوداً بطول 330 كيلومتراً غير مرسمة في أجزاء كبيرة منها، وهي عبارة عن وديان وجبال شاهقة يسهل اختراقها من قبل مهربي المخدرات وتجار الأسلحة.

وتفيد التقارير بأن "حزب الله" الذي سيطر على المنطقة الحدودية مع سوريا، وتواجد في مناطق سورية عدة، لعب دورا أساسيا في مسلسل الكبتاغون من التصنيع إلى التهريب.

وفق الخبير الإستراتيجي اللبناني سعيد قزح، فإن "انتشار الكبتاغون في سوريا، واستخدام لبنان كممر لتهريب هذه المادة إلى الدول العربية والعالم، كان له أثر سلبي بالغ على لبنان. أولاً من ناحية السمعة، حيث بات يُنظر إلى لبنان كأنه بلد مصدر للمخدرات، خصوصا للكبتاغون. وثانياً من الناحية الاقتصادية، فقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان منذ 2019 نتيجة تصدير الكبتاغون، سواء عبر مطار بيروت أو مرفأ بيروت، ما دفع الدول العربية إلى وقف استيراد المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية".

وفي بضع سنوات، اهتزّت علاقات لبنان مع دول عربية عدّة بسبب تهريب المخدرات إليها، وحتى الآن ما زالت القوى الأمنية اللبنانية تضبط مصانع لتلك المادة المخدرة في مناطق مختلفة، كما توقف متورطين بتصنيعها وترويجها وتهريبها عبر المرافق الحدوديّة.

ملف المخدرات بين لبنان والسعودية 

على سبيل المثال لا الحصر، تحوّل ملف المخدرات بين لبنان والسعودية إلى أحد أبرز عناوين الأزمات والتوترات الدبلوماسية، بعدما كانت المملكة المتضرر الأكبر من تدفّق هذه السموم.

فخلال 6 أعوام، صودرت عبر أراضيها أكثر من 600 مليون حبة مخدّرة قادمة من لبنان، وفق تقارير محلية ودولية. وشكّلت شحنة الرمان المهرّبة بالمخدرات عام 2021 نقطة التحوّل الحاسمة، إذ أدركت الرياض حينها أن لبنان لم يعد مجرد دولة ضعيفة تعاني اختلالات داخلية، بل بات محطة عبور رئيسية لشبكات إجرامية عابرة للحدود، تمتلك إمكانات مالية وتنظيمية ضخمة.

وبحسب مراقبين، فإن قيمة الكبتاغون المهرب من سوريا إلى لبنان ثم إلى دولة ثالثة بلغت نحو 3 مليار دولار سنوياً، خلال عهد بشار الأسد.

وخلال حديثه لمنصة "المشهد" يقول العميد سعيد قزح: "تم ضبط شحنات كبتاغون عدة، كانت موضبة ضمن فواكه كالحمضيات أو داخل معدات صناعية، معظمها كانت موجهة نحو دول الخليج، خصوصا السعودية. ورداً على ذلك، فرضت هذه الدول حظراً على استيراد العديد من المنتجات اللبنانية، مما أدى إلى عزلة لبنان عن محيطه العربي والدولي، وساهم في تعميق أزمته الاقتصادية".

ويرى قزح أن "حزب الله كان يسيطر على المعابر غير الشرعية ويحاول استخدام الشرعية للتهريب".

ولفت قزح إلى أنه "بعد وصول السلطة الجديدة في لبنان، وتراجع دور "حزب الله"، وتعرضه لضغوط سياسية وعسكرية، لم يعد قادراً على استغلال الحدود كما في السابق. فقد تم نشر الجيش اللبناني في مناطق لم يدخلها منذ الاستقلال، ومنها مناطق الهرمل المؤدية إلى القصير، التي لم يدخلها منذ 1958".

وتابع: "لم يعد بإمكان حزب الله نقل الشحنات بسهولة، وأصبح هناك تشديد ومراقبة أكبر. في الأسابيع الماضية، تمكن الجيش اللبناني من كشف مصنع كبتاغون داخل الأراضي اللبنانية، وقام بمصادرته وتدميره".

في ضوء هذه التطورات، وجد لبنان نفسه أمام منعطف تاريخي نادر، إذ بات للمرة الأولى منذ سنوات طويلة قادراً على التحرك من دون قيود فعلية لتفكيك شبكات تجارة المخدرات.

وقد انعكس ذلك في سلسلة عمليات أمنية واسعة، شملت مداهمة عشرات المصانع والمستودعات وضبط كميات ضخمة من حبوب "الكبتاغون".

أخطر أباطرة المخدرات

وبلغت هذه العمليات ذروتها بسقوط رأس الهرم، نوح زعيتر، أحد أخطر أباطرة المخدرات في لبنان والمنطقة، والذي كان توقيفه يُعد شبه مستحيل قبل تبدّل المعادلات.

وجاء اعتقاله دليلاً واضحاً على انهيار الغطاء السياسي، الأمني الذي وفّر له الحماية لسنوات، وعلى أن منظومة التهريب خسرت أحد أبرز أعمدتها.

وبحسب قزح، فإن تراجع دور "حزب الله" في لبنان، والانتشار الأمني للجيش في المناطق التي لم يكن يسيطر عليها سابقاً، ساهم في الحد من عمليات التهريب".

وأضاف: "الجيش اللبناني اليوم يسيطر على المطار والمرافئ الرئيسية: بيروت، طرابلس، صيدا، وصور، ويقوم بتفتيش صارم على كل الصادرات والواردات، ما أدى إلى تقليص كبير لإمكانيات التهريب الواسعة التي كانت سائدة قبل الحرب وسقوط نظام الأسد".

وفق المتحدث باسم الداخلية السورية، نور الدين البابا الذي تحدث لمنصة "المشهد" فإن لبنان والأردن قد "تنفسا الصعداء بعد سقوط النظام البائد، لأنهما تخلصا من شر عظيم كان يهدد أمنهما القومي، وهما على تنسيق عالٍ مع سوريا بما يخص مكافحة عصابات تهريب الكبتاغون".

الأردن.. تجارة عابرة

كان الأردن بين أبرز المتأثرين بتجارة الكبتاغون خلال عهد نظام بشار الأسد، إذ لم تتوقف السلطات الأردنية عن إيقاف شحنات المخدرات بشكل يومي.

منذ أوائل عام 2022، كان من الواضح أن الحدود الشمالية للأردن مع سوريا أصبحت موقعًا لصراع شبه حربي، حيث تصاعدت الاشتباكات العنيفة بين حرس الحدود الأردني ومهربي المخدرات، وبحلول نهاية العام نفسه قضت السلطات الأردنية على أكثر من 35 من المشتبه في أنهم مهربو مخدرات.

وخلال العام 2024، أوقفت السلطات الأردنية العام الماضي، أكثر من 38 ألف شخص في أكثر من 25 ألف قضية مرتبطة بالمخدرات، كما تم ضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة من بينها أكثر من 27 مليون حبة كبتاغون و3 آلاف كيلوغرام من الحشيش.

وبحسب السلطات، قتل 8 من عناصر إدارة مكافحة المخدرات خلال عمليات في عام 2024 خلال اشتباكات مع مهربين.

وكشفت بيانات لمديرية الإعلام العسكري الأردني في 19 يوليو الماضي، أن الجيش الأردني أسقط أكثر من 300 طائرة مسيرة محمَّلة بالمخدرات منذ بداية السنة الجارية، وأن "تجار مخدرات نفذوا خلال هذه الفترة 69 عملية تهريب، و69 عملية تسلل، مستخدمين خلالها 84 قطعة سلاح".

ويعلن الجيش الأردني بشكل منتظم إحباط عمليات تهريب مخدرات عبر الحدود مع سوريا الممتدة على 375 كيلومتراً.

عمليات تهريب مخدرات.. وأسلحة

بحسب العميد المتقاعد نضال أبو زيد، فقد استمرت هذه العمليات على مدار ما يقارب عقداً من الزمن، وأثرت بشكل كبير على الأردن، نتيجة محاولات التهريب المتكررة التي استهدفت الداخل الأردني، "حيث اضطرت العصابات إلى عبور الحدود، مما استدعى تعزيز قوات حرس الحدود الأردني وفرض إجراءات أمنية جديدة مكلفة على المستويات المادية والأمنية".

وخلال حديثه لمنصة "المشهد" قال أبو زيد: "يعتبر الأردن أن أي اختراق لحدوده هو تهديد مباشر لأمنه الوطني، خصوصا أن هذه العمليات لم تقتصر على تهريب المخدرات فقط، بل شملت أيضاً تهريب أسلحة، إذ تمكن حرس الحدود الأردني من ضبط طائرات مسيّرة محمّلة بالأسلحة في أكثر من واقعة".

ويضيف أبو زيد: "على الرغم من أن الأردن لم يكن مركزاً لتخزين أو تصنيع الشحنات، إلا أنه كان ممراً رئيسياً لعبورها إلى دول مجاورة، وعلى رأسها دول الخليج. وتبلغ الحدود الأردنية السورية نحو 375 كلم، وكانت معظم عمليات التهريب تتركز في المنطقة الممتدة من المثلث الحدودي الأردني السوري العراقي حتى منطقة صلخد داخل سوريا، مروراً بمواقع مثل الشعاب، وأم رمان، وتل الشيخ جنوب ريف السويداء".

وتؤكد عمان أن عمليات التهريب كانت تتم بطريقة منظمة، باستخدام طائرات مسيرة، وبحماية مجموعات مسلحة، ما دفع الجيش الأردني إلى تنفيذ ضربات جوية لإسقاط هذه الطائرات وتفكيك تلك الشبكات.

وأسفرت العمليات عن القبض على مهربين مرتبطين بعصابات دولية.

ورغم استمرار تهريب المخدرات على الحدود بين سوريا والأردن، فإن تراجعا نسبيا شهدته تلك التجارة في أعقاب سقوط نظام الأسد.

وبحسب العميد المتقاعد نضال أبو زيد: "تشير إحصائيات مديرية التوجيه المعنوي التابعة للقوات المسلحة الأردنية إلى تراجع نسبي في نسبة عمليات التهريب، مع تغير واضح في التكتيكات والأساليب، حيث أصبحت أكثر عشوائية".

ويسعى الأردن لاستثمار الحالة السورية الجديدة في ظل رفع العقوبات، من خلال فتح الاستثمارات وإعادة الإعمار، خصوصا في مجالات الهندسة والعقارات والمقاولات.

كما يأمل الأردن الاستفادة من الحركة التجارية عبر الطرق البرية مثل طريق M4 وM5 التي تربط سوريا بتركيا وأوروبا، ويرى في سوريا شريكا إستراتيجيا جغرافيا وأمنيا.

إلى جانب ذلك، يسعى الأردن لفتح قنوات أمنية مع سوريا بهدف تثبيت الاستقرار، خصوصا في البادية السورية التي لا تزال تحتوي على بقايا لتنظيم "داعش".

وبحسب أبو زيد: "يرى الأردن أن لتجارة المخدرات مخاطر اجتماعية وأمنية عميقة، فبالإضافة إلى خطر تسلل المخدرات إلى الداخل الأردني، هناك خطر أكبر يتمثل في تهريب الأسلحة، إذ تم ضبط شحنة تضمنت قاذفات مضادة للدروع تم تهريبها من سوريا، وهو أمر بالغ الخطورة".

كيف تأثرت "الحبة القاتلة" بسقوط الأسد؟

في 8 ديسمبر 2024 طوى السوريون صفحة بشار الأسد إلى الأبد.. ومعها بدأت تتداعى إمبراطورية الكبتاغون سيئة السمعة في سوريا.

فمع بزوغ فجر اليوم التالي، بدا وكأن البلاد تستيقظ على عهد جديد؛ عهد حربٍ مختلفة، لا تُخاض في ساحات القتال، بل في مصانع سرية وطرق تهريب مظلمة.. إنها حرب سوريا ضد إرث نظام الأسد الأخطر.

وأطلقت الحكومة السورية الجديدة حملة واسعة لتفكيك شبكات الكبتاغون التي تركها النظام السابق، والتي حولت سوريا إلى واحد من أكبر مراكز إنتاج وتصدير المخدرات في العالم، بعائدات تجاوزت مليارات الدولارات سنويا.

وفي تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، قال المتحدث باسم الداخلية السورية نور الدين البابا إن البلاد نجحت في "توجيه الضربة الأشد" لشبكات تصنيع وتهريب الكبتاغون التي كانت مزدهرة برعاية أجهزة النظام السابق.

وأوضح البابا أن النقطة المفصلية في مكافحة هذه التجارة بدأت "من إسقاط النظام السياسي والأمني الذي كان يحميها ويُشغّلها"، مؤكداً أن الدولة السورية الجديدة تمكنت من تفكيك المعامل والمستودعات، وملاحقة المتورطين من مسؤولي النظام وأجهزته القمعية، إلى جانب تفكيك شبكات النقل والتهريب، والتنسيق مع دول الجوار لقطع خطوط العبور عبر الحدود.

وبحسب صحيفة "فايننشيال تايمز" الريطانية، فإن إنتاج الكبتاغون وعمليات تهريبه تراجعت بنسبة تصل إلى 80% منذ سقوط النظام في ديسمبر الماضي، غير أن المعركة لم تحسم بعد.

فالشبكات الإجرامية التي نمت في ظل الفوضى لا تزال تقاوم، والفراغات الأمنية في بعض المناطق تشكل تحديا مستمرا أمام الدولة الجديدة، في معركة يبدو أنها ستكون طويلة وشرسة.

ونوّه البابا إلى أن تصنيع الكبتاغون كان يتمركز سابقاً في مناطق انتشار الفرقة الرابعة والميليشيات الطائفية التابعة للنظام، خصوصاً قرب الحدود، ما جعل هذه المناطق نقاطاً رئيسية للتهريب.

الداخلية السورية تكشف لـ"المشهد"

لكن مع سقوط الأسد، يقول البابا، "تلقّت صناعة الكبتاغون ضربة مباشرة وعنيفة"، إذ تسببت صدمة سقوط النظام في شلّ شبكاته الأساسية.

ورغم محاولة بعض العصابات استغلال الفراغ في بدايات المرحلة الانتقالية، "إلا أنها وُوجهت بحسم شديد"، حيث جرى إحباط تهريب ملايين الحبوب من بقايا معامل النظام التي كانت مخبأة في مواقع سرية، وفق المتحدث باسم الداخلية السورية.

كما عملت الجكومة على تدمير معامل التصنيع، ومستودعات التخزين، وتفكيك شبكات النقل والتهريب، وتنسيق الجهود مع دول الجوار والإقليم لمكافحة الكبتاغون عبر الحدود.

وكشف المتحدث باسم الداخلية لـ"المشهد" أن نسبة وجود الكبتاغون في سوريا باتت اليوم أقل من 5% مما كانت عليه قبل التحرير، معتبراً ذلك "تحولاً جذرياً" في واحدة من أخطر الملفات التي ورثتها الدولة.

وأضاف أن الحكومة تعمل بالتوازي على تحسين الوضع الاقتصادي والخدمات العامة، وتفعيل مصحّات علاج الإدمان، في محاولة لمعالجة الأسباب التي غذّت هذه الظاهرة.

سوريا تأمل في زوال إرث الأسد الأبرز

ربما تكون سوريا قد بدأت فصلا جديدا من تاريخها، لكن إرث الكبتاغون سيبقى أحد أخطر تذكارات عهدٍ ترك وراءه دولة جريحة.. وجيلا بأكمله دفع ثمن حبةٍ صغيرة بيضاء.

سوريا التي تحولت خلال عقد من الزمن إلى مصنع ضخم للكبتاغون، بدأت رحلة شاقة لمحو آثاره من أرضها، بعدما كان جزءا من ماكينة حرب، ووسيلة بقاء لنظام أطال عمره عبر الفوضى.

ومثلما احتاجت المنطقة سنوات كي تدرك حجم الكارثة، فربما تحتاج إلى سنوات أخرى حتى تتخلص من آثارها بالكامل.