منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية منتصف نوفمبر الحالي، تتصاعد حدة الصراع بين الكتل السياسية لاختيار شخصية رئيس الحكومة العراقية الجديدة، يأتي ذلك في ظل هجمات بطائرات مسيّرة مجهولة المصدر على حقل كورمور في قضاء جمجمال بمحافظة السليمانية شمال العراق، وتشكيل لجنة خاصة لتقصي حقائق الهجمات بإيعاز من رئيس الحكومة السابقة محمد شياع السوداني.
بينما تضغط واشنطن على الكتل السياسية العراقية، وترسل رسائلها عبر مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي للعراق، الذي أبلغ القوى السياسية العراقية رسالة الولايات المتحدة، وهي أنها لن تتعامل مع أيّ جهة حكومية تديرها الفصائل العراقية المسلحة، وأنّ الحكومة العراقية الجديدة يجب أن تكون منزوعة السلاح، ورئيسها ليس مقرّبًا من إيران، فما هي خيارات العراق؟ هل يختار العزلة أم يعود لدوره الإقليمي في المنطقة؟
حكومة منزوعة السلاح
كشف مصدر خاص لمنصة "المشهد"، أنّ واشنطن قالت كلمتها الواضحة عبر سافايا، وهي: حكومة عراقية منزوعة السلاح، كما أنها لا تقبل بوصول الفصائل المسلحة لأيّ منصب حكومي، وتؤكد تشكيل حكومة بعيدة تمامًا عن أذرع إيران العسكرية، الولايات المتحدة لا تريد أن يكون لإيران تمثيل في الحكومة العراقية المقبلة، وألا تساهم طهران بصعود أيّ كتلة سياسية، كما ساهمت سابقًا بصعود قوى الإطار التنسيقي إلى السلطة.
وأوضح المصدر، أنّ بعض الفصائل المسلحة سلّمت أجندتها، منها كتلة صادقون التي حصلت على 28 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية، أعلنت انتهاء عملها العسكري مع محور المقاومة، وتخفيض صلتها بإيران، واستعدادها الكامل للانخراط بالعمل السياسي، جاء ذلك بعد حوارات وتفاهمات طويلة مع الكتل السياسية، نتج عنها تسليم معظم الفصائل العراقية المسلحة بضرورة إلقاء السلاح وتشكيل حكومة عراقية وطنية تُدار من الداخل وليس من الخارج.
وبحسب المصدر، فمنذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية كثّفت الولايات المتحدة ضغوطها على الكتل السياسية العراقية، وكان لها الدور الأكبر في تسليم قادة الفصائل بضرورة التنحي والاتجاه للعمل السلمي ضمن المقاعد التي حصلوا عليها في البرلمان، أي أنّ واشنطن حوّلت دور هذه الفصائل إلى ثانوي رمزي غير مؤثر في القرارات الحكومية المقبلة.
وكشف المصدر ذاته لـ"المشهد"، أنّ سافايا نقل للكتل السياسية موافقة واشنطن على تولي محمد شياع السوداني الولاية الثانية للحكومة العراقية، وأخبرهم أنه تم طرح اسم السوداني في واشنطن كرئيس جديد للحكومة العراقية، إذًا السوداني الأوفر حظًا والمالكي يعود للخلف.
وفي سياق متصل، أكد المصدر أنّ اللجنة المكلفة بتقصي هجمات حقل كورمور، سيكون لها علاقة بتسمية رئيس الحكومة العراقية، لأنّ القوى السياسية الكردية أعلنتها صراحة: "سنكون داعمين لرئيس الحكومة محمد شياع السوداني في حال تم تقديم نتائج حقيقية عن الجهة التي نفذت الهجمات على أكبر حقل لانتاج الغاز في إقليم كردستان".
ماذا أبلغ سافايا الكتل السياسية في بغداد؟
وتناقلت وسائل الإعلام العراقية معلومات عن تغيرات في موقف الفصائل المسلحة ورغبتها بإنهاء حالة الحرب مع واشنطن، والاتجاه لخدمة الداخل العراقي، بينما نقلت مواقع إعلامية أخرى أنّ أمام العراق خيارين، إما الموافقة أو العزلة، ما دفع الفصائل للتسليم والموافقة.
وعن ذلك يقول مصدر من داخل الإطار التنسيقي لـ"المشهد"، إنّ ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام صحيح، حيث بدأت واشنطن فعلا بالضغط عن طريق سافايا، الذي أعلنها صراحة: "نريد إنهاء دور الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية التابعة لإيران في العراق، وفك الارتباط مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقطع خطوط الإمدادات الاقتصادية"، مضيفا أن "هذه المرحلة عنوانها خروج إيران من المشهد السياسي العراقي، والقضاء على جميع القنوات السياسية والاقتصادية الإيرانية في العراق، سواء شخصيات أو مصارف أو شركات إيرانية".
ومن خلال حديث سافايا، يبدو أنّ واشنطن ترشح السوداني لرئاسة الحكومة لكن لم يقلها صراحة، لأنّ السوداني كشخص لا يهمّ واشنطن، لكنها ستوافق على أيّ شخصية تتطابق مواصفاتها مع الشروط الأميركية غير القابلة للتفاوض، ومدى قدرة هذه الشخصية على أداء واجباتها وتحقيق علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة، والالتزام بالشروط الدولية. هذه الشروط تتوافر في السوداني، مضيفًا: "الفيتو الأميركي على نوري المالكي كان واضحًا من خلال حديث سافايا. بحسب المصدر".
وأكد المصدر، أنّ الفصائل العراقية المسلحة، أعلنت فعلا إنهاء العمل العسكري والالتفات للعمل السياسي، والانخراط في العمل المؤسساتي، مع إنهاء حالة الولاء لإيران بشكل تدريجي، وإبعاد القادة الموالين لإيران عن أيّ دور سواء في تشكيل الحكومة أو اتخاذ القرارات المقبلة.
ما علاقة حقل كورمور؟
وفي سياق متصل، قال المحلل السياسي محمد زنكنة لـ"المشهد"، إنّ عضو الهيئة العامة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري، غرّد عبر منصة "إكس" قائلًا: "الكشف السريع عن نتائج التحقيق في جريمة استهداف حقل كورمور، من الممكن أن يكون له حظوظ أوفر في مسألة تجديد الدعم للسوداني. لكن هل نقلت القوى الكردية رغبتها تلك بشكل رسمي للسوداني؟ لا يوجد معلومات رسمية حتى الآن، نرى أنه من الممكن أن يتم ذلك عبر صفقة سياسية عنوانها دعم كردي مشروط للولاية الثانية للسوداني".
ويعتبر حقل كورمور من أهم حقول الغاز في العراق، المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء في إقليم كردستان، حيث يوفر أكثر من 75% من القدرة الإنتاجية للطاقة، تم استهدافه الأربعاء الماضي بطائرة مسيّرة، فوجهت بعض القوى الكردية أصابع الاتهام للفصائل العراقية المسلحة، أدى الهجوم إلى توقّف الإنتاج وانقطاع واسع للكهرباء في إقليم كردستان، بينما تنتظر القوى الكردية نتائج التحقيقات التي ستقدمها اللجنة الخاصة المكلفة من قبل السوداني التي زارت مدينة السليمانية للتحقيق في الهجمات.