قال تقرير نُشر في مجلة "ناشيونال إنترست" أمس الجمعة إن مستقبل الدولة الفلسطينية مرتبط بشكل مباشر بتأثير إيران ونفوذها على حركة "حماس" ووكلائها في غزة والضفة الغربية.
ولفت إلى أن أي إقامة لدولة فلسطينية مسؤولة ومستقلة لا يمكن أن تتحقق إلا بفصلها عن النفوذ الإيراني وضمان إنهاء دعم طهران العسكري والسياسي، بما يساهم في تحقيق استقرار وأمن إقليميين.
وربط التقرير بين سياسة إيران الخارجية تجاه فلسطين واستقرار المنطقة، وفرص إقامة دولة فلسطينية حقيقية ومستقلة عن الوكلاء الإيرانيين.
إيران والدولة الفلسطينية
إلى ذلك، تشهد الساحة السياسية والإعلامية في الوقت الحالي نقاشًا متزايدًا بشأن مستقبل حل الدولتين، حيث يبدو واضحًا غياب الإرادة الجادة لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل للسير قدما في هذا المسار.
ويلاحظ استمرار المماطلة وغياب أيّ التزامات سياسية ملموسة تجاه الفلسطينيين، ما يثير تساؤلات حول جدية الأطراف المعنية في الدفع نحو تسوية عادلة، بحسب محللين تحدثوا لـ"المشهد".
وأوضحوا أن هناك مساع لتحميل مسؤولية تعطيل الحل لأطراف خارجية مثل إيران والحركات المسلحة في غزة والضفة الغربية، "على الرغم من أن المتابع للمشهد السياسي الإسرائيلي يدرك وجود إجماع شبه كامل -يمينا ويسارا- على رفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني أو القبول بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة".
في هذا السياق، يبرز اتجاه متزايد لدى بعض الدول الغربية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذه الاعترافات غالبا ما تبقى رمزية ولا تتحول إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض. إضافة إلى ذلك، تُرفق هذه الاعترافات بشروط تستبعد بعض القوى من أي معادلة سياسية مستقبلية، ما يعكس تعقيد المشهد.
وبالمحصلة، يتضح أن الملف الفلسطيني يزداد تعقيدا بفعل استغلال الذرائع الإقليمية والدولية لتأجيل الحل، بينما تتعرض الحقوق الفلسطينية للتجاهل والتهميش المستمرين.
لا شريك إسرائيلي لحل الدولتين
وفي هذا السياق، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة عين شمس الدكتور أيمن الرقب أن المبررات التي تطرحها الولايات المتحدة وإسرائيل ما هي إلا ذريعة للهروب من أي التزام سياسي تجاه الفلسطينيين.
وأشار إلى أن الحديث عن النفوذ الإيراني ليس سوى حجة واهية، إذ لا وجود لأي نفوذ فعلي لإيران في الضفة الغربية التي تخضع لسلطة الرئيس محمود عباس، والذي يقبل باستمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال.
وأضاف الرقب:
- هذا التعاون لم يغير من واقع الأمر شيئا.
- لا توجد إرادة إسرائيلية حقيقية للسلام أو للاعتراف بالحقوق الفلسطينية.
- المؤسسة السياسية الإسرائيلية من اليمين إلى اليسار، تُجمع على رفض حل الدولتين.
- هذا الرفض يظهر بوضوح من خلال قرارات الكنيست التي تعلن بأغلبية ساحقة رفض هذا الخيار.
وبيّن أن الاعترافات الدولية التي تطرحها بعض الدول، مثل فرنسا وبريطانيا وأستراليا وحتى ألمانيا بشأن الدولة الفلسطينية خلال سبتمبر المقبل، تبقى في إطار معنوي لا يترجم إلى تغيير ملموس على أرض الواقع.
وشدد الرقب على أن الطرفين القادرين فعليا على إحداث تحول نحو حل الدولتين هما الولايات المتحدة وإسرائيل وكلاهما غير مؤمن بهذا الحل، الأمر الذي يجعل أي حديث عن إمكانية قيام دولة فلسطينية مجرد تصريحات إعلامية لا أكثر.
ضرورة تنفيذ القرارات الأممية السابقة
ومنذ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1996، فإن المجتمع الدولي يتنكر للحقوق الفلسطينية بحسب الرقب الذي أكد وجود تراجع في أي حديث جاد عن حقوق الفلسطينيين.
وأشار إلى أن "الفلسطينيين قدموا تنازلات كبيرة بقبولهم إقامة دولة على 22% فقط من أرض فلسطين التاريخية، بعدما كان قرار التقسيم لعام 1947 يمنحهم 46% من الأرض".
وتابع الرقب: "مع ذلك، لا تطرح إسرائيل أيّ رؤية جدية، بل تقدم تصورات مشوهة مثل دولة منزوعة السلاح أو خاضعة لإشراف أمني إسرائيلي أو دولي".
وأشار إلى أن حتى فكرة أن يصبح الفلسطينيون مواطنين في إسرائيل ليست مطروحة على الطاولة، سواء في الأجندة الإسرائيلية أو الدولية.
وبيّن الرقب أن المجتمع الدولي ليس بحاجة إلى اعترافات جديدة بقدر حاجته إلى تنفيذ القرارات الأممية السابقة، خصوصا قرار التقسيم لعام 1947 الذي يعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة على 46% من أرض فلسطين التاريخية، بينما يطالب الفلسطينيون اليوم بدولة على 22% فقط، بل ويقبلون بتعديلات أمنية تخدم مصالح إسرائيل.
وشدد على أن الاعترافات الدولية تظل رمزية ولن تكون ذات قيمة حقيقية ما لم يلتزم المجتمع الدولي بفرض تنفيذ قراراته وضمان قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وحدود واضحة.
من سيدير الدولة الفلسطينية؟
من جانبه، قال المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة إن حل الدولتين في صورته الحالية، لا يقدم تصورا واضحا حول من سيدير الدولة الفلسطينية، وهو ما يثير تساؤلات جدية، خصوصا في ظل نموذج غزة الذي يهيمن عليه "الجهاد الإسلامي" وحركة "حماس" وهو نموذج غير مقبول على المستوى الدولي.
وأوضح أن أي دولة فلسطينية لن تُبنى على أساس يسمح باستمرار وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أو تنظيمات تملك سلاحا منفردا، معتبرا أن هذه المسألة ستشكل عائقا أمام أي اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية.
وأكد السبايلة أن الرسالة الضمنية من المجتمع الدولي واضحة وهي: "الدولة الفلسطينية لن تكون أداة بيد إيران أو حلفائها في المنطقة".
7 أكتوبر عرقل الاعتراف بفلسطين
أما الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، فأوضح أن الدول التي أعلنت نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية باتت تشترط بشكل صريح استبعاد حركة "حماس" من أي ترتيبات سياسية مقبلة، باعتبار أن تبنيها لهذا النهج وعلاقتها مع إيران يمثلان عائقا أمام أي حل سياسي.
وأشار إلى أن ما بعد 7 أكتوبر، جعل العلاقة بين إيران و"حماس" وصدامها مع إسرائيل ذريعة لعرقلة أي جهود لإقامة الدولة الفلسطينية، بل وأداة لإدامة الحرب وتدمير كل مقومات قيام دولة مستقبلية.
وأضاف منصور أن السياسة الخارجية الإيرانية، من حيث المبدأ، تقوم على دعم حقوق الشعب الفلسطيني ومواجهة إسرائيل، لكن هذا الدعم لا يُترجم عبر مسارات سياسية أو مؤسساتية، بل يأتي عبر دعم حركات وتنظيمات مسلحة بل وحتى بعض الجامعات، وهو ما يعكس فهما محدودا وغير مؤسسي للقضية الفلسطينية ويجعل الموقف الإيراني أداة لتعقيد المشهد أكثر مما يسهم في حله.