رغم أن رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بغرض العفو عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو في قضايا "فساد"، لا تعدو كونها أمرًا جديدًا أو مباغتًا، في ظل إلحاح سابق على الموضوع ذاته، فإن مراقبين تحدثوا لـ"المشهد" ألمّحوا إلى أن طلب ترامب له أبعاد "رمزية وسياسية" أكثر من كونه قابلًا للتنفيذ قانونيًا.
وبحسب المصادر، فإن ترامب يخاطب القاعدة اليمينية في الولايات المتحدة كما إسرائيل، في ظل موسم انتخابي متقلب وحساس للطرفين.
وكان الرئيس الأميركي قد باغت هرتسوغ بطلب العفو قبل نحو شهر، أثناء خطابه أمام الكنيست، خلال إطلاق سراح الأسرى الـ20 الأحياء ضمن بنود خطة السلام التي تم تدشينها في مدينة شرم الشيخ المصرية.
وقال لهرتسوغ: "لدي فكرة، سيدي الرئيس، لماذا لا تعف عنه؟".
قضية "مسيّسة"
فيما اعتبر الرئيس الأميركي العفو عن نتانياهو بمثابة "خطوة مهمة لتوحيد إسرائيل بعد أعوام صعبة"، وفق ما جاء في رسالته، ثم عزا القضية إلى دوافع اعتبرها "مسيّسة"، وقال: "دافع (نتانياهو) بثبات عن إسرائيل في مواجهة خصوم أقوياء، وأن القضية المرفوعة ضده سياسية وغير مبررة".
كما جاء في رسالة ترامب: "الآن بعد السيطرة على "حماس" وتحقيق إنجازات غير مسبوقة. حان الوقت لإنهاء هذه الحرب القانونية وإعطاء فرصة للعفو عن نتانياهو".
لكن الرئيس الإسرائيلي عقّب على طلب ترامب بأن "من يريد أن يحظى بالعفو، عليه أن يتقدم بطلب رسمي كما هو متبع في إسرائيل".
في حديثه لـ"المشهد" يقول المحلل السياسي الأميركي وعضو الحزب الجمهوري توم حرب، إن الطلب الذي قدّمه الرئيس الأميركي إلى نظيره الإسرائيلي هرتسوغ، بشأن منح العفو عن نتانياهو، ليس سوى "تمنيات سياسية" أكثر من كونه "مبادرة رسمية".
رسالة ودّية
وبحسب حرب فإن ترامب يرى في القضايا القانونية التي يواجهها نتانياهو مجرد "اتهامات بسيطة" لا ترقى إلى مستوى "الجرائم الخطيرة"، خصوصًا إذا ما قورنت على حدّ وصفه بـ"الإنجازات الكبيرة" التي حققها رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الحرب بغزة، مشيرًا إلى أن الأخير وفق رؤية الرئيس الأميركي قاد إسرائيل إلى تحقيق "انتصارات إستراتيجية" ضد عدة منظمات "إرهابية"، كـ"حزب الله" و"الحوثي" و"حماس"، مؤكدًا أن هذه "الانتصارات" لم تصب في مصلحة إسرائيل وحدها، بل انعكست إيجابًا على المنطقة.
بالتالي، استمرار محاكمة نتانياهو يشكّل "عبئًا سياسيًا"، وفق حرب، لافتًا إلى أن العفو سيمنح رئيس الحكومة الإسرائيلية "فرصة" للبناء على "عمليات السلام المهمة" بين إسرائيل والدول العربية. ومن هذا المنطلق، حاول ترامب أن "ينقذ صديقه القديم" عبر توجيه "رسالة ودّية" إلى هرتسوغ يطلب فيها العفو عنه.
استجابة محتملة
في حديثه لـ"المشهد" يوضح الباحث المختص في الشأن الأميركي والمراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول، أن طلب الرئيس الأميركي يحمل في طيّاته "تدخلًا واضحًا في الشؤون الداخلية لإسرائيل"، فضلًا عن "دعم له أغراض سياسية" قبل الاستحقاقات الانتخابية في البلدين.
لكن قبل أي استجابة محتملة من هرتسوغ، هناك معارضة قوية داخل إسرائيل، بما فيها الأحزاب والشارع السياسي، وفق الزغول، لافتًا إلى أن هذه الأطراف تلحّ على مواصلة التحقيقات مع نتانياهو كما حدث سابقًا مع رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، بما يجعل أي عفو عن نتانياهو خطوة شديدة الحساسية داخليًا.
وتابع: "إدخال إسرائيل في حسابات ترامب الانتخابية، يمنح الشارع الإسرائيلي شعورًا بالتبعية السياسية، ويحوّل العفو إلى قضية تدخل خارجي تمسّ استقلال القضاء. ويبدو أن ترامب يسعى من خلال هذا الطلب إلى تحقيق هدفين رئيسيين:
- أولًا، طمأنة نتانياهو لضمان استقرار الموقف في غزة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة جديدة.
- ثانيًا، كسب الوقت عبر تسويف الملفات السياسية إلى حين بدء عملية إعادة إعمار القطاع، وهو مطلب أميركي ملحّ.
وفي ظل استمرار التحقيقات الإسرائيلية بشأن هجمات 7 أكتوبر، واحتدام المشهد الداخلي، فإن خطوة كهذه قد "تشعل مزيداً من الجدل وتُفسَّر كجزء من مناورات ترامب الانتخابية الذي لطالما استخدم مهاراته التفاوضية لتوجيه الأزمات وتجميدها بما يخدم مصالحه السياسية"، وفق الباحث المختص في الشأن الأميركي والمراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة.
إلى ذلك، ردّ زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد على منصة "إكس" على رسالة ترامب للرئيس الإسرائيلي بأن "القانون الإسرائيلي ينص على أن الشرط الأول لمنح العفو هو الاعتراف بالذنب والتعبير عن الندم على الأفعال".
كما طالب وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الرئيس هرتسوغ إلى إصدار العفو عن نتانياهو، ودوّن على صفحة بمواقع التواصل الاجتماعي "إكس": "نقول للرئيس هرتسوغ استمع إلى ترامب، وأصدر عفوًا عن نتانياهو في القضايا الملفقة، لأن ذلك هو الإجراء الصحيح".
من جهتها، ترى الباحثة في العلاقات الدولية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الإستراتيجية نشوى عبد النبي خلال حديثها لـ"المشهد" أن طلب الرئيس ترامب يبعث بجدالات واسعة سواء في الأوساط الإسرائيلية أو الدولية، لما يحمله من أبعاد سياسية وقانونية متشابكة. فـترامب، الذي يرى في نتانياهو "حليفًا إستراتيجيًا" و"رمزًا لتيار اليمين الشعبوي"، يسعى من خلال هذا الطلب إلى إعادة إحياء "التحالف الأيديولوجي" بين اليمين الأميركي والإسرائيلي، فضلًا عن "إظهار دعمه لشخصية تمثل بالنسبة له نموذج الزعيم الملاحق ظلمًا من المؤسسة السياسية والقضائية".
أزمة دستورية
لكن من الناحية القانونية، يواجه الرئيس الإسرائيلي قيودًا دستورية واضحة تمنعه من استخدام صلاحيات العفو قبل صدور أحكام نهائية، وفق عبد النبي في حديثها لـ"المشهد"، إذ لا يزال نتانياهو "قيد المحاكمة" في قضايا فساد ورشوة، ما يجعل أي استجابة للطلب الأميركي انتهاكًا لمبدأ استقلال القضاء في إسرائيل. كما أن المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي متخم بـالاستقطاب الداخلي الحاد، حيث ترى المعارضة أن رئيس الحكومة يسعى إلى "تسييس" النظام القضائي لضمان بقائه في الحكم، بينما يراه مؤيدوه ضحية "مؤامرة قضائية".
لذلك، فإن استجابة هرتسوغ لمثل هذا الطلب تبدو "شبه مستحيلة" في الوقت الراهن، على حد توصيف الباحثة في العلاقات الدولية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الإستراتيجية، لأنها ستُفجّر "أزمة دستورية" داخلية وتُقوّض الثقة في المؤسسات.
في المقابل، يكشف طلب ترامب عن تداخل غير مسبوق بين المصالح الشخصية والسياسية، ومحاولة لتوظيف العلاقات الدولية في معارك داخلية، بحسب المصدر ذاته. فيما تؤكد عبد النبي أن الرسالة "رمزية" أكثر منها عملية، كما تُخاطب "القاعدة اليمينية" في الولايات المتحدة وإسرائيل معًا، في ظل موسم انتخابي متقلب وحساس للطرفين.